صاح شمر بن ذي الجوشن لِمَ تترددون بقتل الحسين؟ الطفل عبد الله بن الحسين؛ يصيبه سهم فينزف دمًا ويموت وهو بحجره. يقترب فَمُ الحسين من نهر الفرات ليشرب، فيأتيه سهم يخترق حنكه فينزف! سِنان بن أنس النخعي يُلقي رُمحًا فيسقط الحسين على الأرض، ثم يقطع رأسه ويعطيه للخولي بن يزيد الأصبحي.

فأنشد ديك الجن:

جاؤُوا بِرَأْسِكَ يا ابْنَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ مُتَرَمِّلًا بِدِمائِهِ تَرْمِيلا

وكأنَّما بِكَ يا ابْنَ بنتِ مُحَمّدٍ قَتَلوا جَهارًا عامدينَ رَسُولا!

جميع مصادر التاريخ الإسلامي تسيل بدماء سيد الشهداء الحُسين بن علي ولاريب. فالمعركة التي استشهد فيها قد أصبحت الآن هي مادة الثورة في التاريخ الإنساني. وإني لحزين لمقتله، كما أن مقتله وصمة عار التصقت بتاريخ يزيد والأمويين. وكلما أعدتُ قراءة التاريخ عاد الألم وتجدد الحزن بنفسي. فما هذه القوة الإلهية! التي جعلت قلبي يشعر بالمعاناة التي أصابت آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قراءتي لتاريخهم؟!

ربما تثير هذه السطور تساؤلًا عن حقيقة التاريخ الإسلامي. فهل نفهم التاريخ ضمن السياق الذي اِقْتُحِمَ فيه؟ أم نخرجه من ذلك السياق ونضعه في سياق عقلاني؟ لنحقق ماهية التاريخ كما كان لا كما جاء! أعود بك أيها القارئ من فلسفتي في التاريخ إلى الموضوع. لا يمكن فهم مقتل الحسين إلا بعد استيعاب تسلسل التاريخ السياسي للإسلام. منذ خلافة أبى بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان- رضي الله عنهم – وإمام المسلمين الإمام علي بن أبى طالب (كرم الله وجهه).

في عام ستين للهجرة اقترب أجل معاوية فشعر بالموت. ثم أخذ لابنه يزيد البيعة من المؤمنين، وفي وصيته أكد لابنه بأنه قد اتخذ الأسباب اللازمة لجعله أميرًا للمؤمنين. ولم يعد أمام يزيد عن الملك إلا أن يتولى السلطة وينفذ وصية والده ويُقطَّع ابن الزبير إربًا إربًا، ويرفق بالحسين نظرًا للنسب والرحم؛ وعلى الرغم من تأكيد أبيه بأن عبد الله بن عمر لا يشكل أي خطر على مشروعهما السياسي كونه درويشًا؛ فإن عبد الرحمن أيضًا منشغل عن السياسة بالنساء.

أصبح يزيد أمير المؤمنين. وبعدما أتمم ذلك أرسل بكتابه إلى والي المدينة الوليد بن عتبة يأمره بأن يأخذ البيعة من الحسين وابن الزبير وابن عمر عاجلًا. وبعد وصول كتابه نفذ الوليد أمره. ولم يبايعه أي أحد منهم وخرجوا من عنده. توجه الحسين إلى مكة وعبد الله قبله، بينما بقي عبد الله بالمدينة. وفي مكة اكتمل مشروع الثورة بقيادة الحسين ورفيقه ابن الزبير وأخذا طابعًا ثوريًّا على نظام يزيد الاستبدادي.

توافدت الرسائل من الكوفيين إلى الحسين تطلب مجيئه إلى الكوفة للبيعة. لم يسافر وقتئذٍ حتى يتأكد بأن هناك دعمًا شعبيًّا في العراق، وأرسل مبعوثًا هو ابن عمه مسلم بن عقيل؛ وبعدما استلم آخر خطابين من الكوفة وصلانه مع هانئ وسعيد قرر بعدها الذهاب للعراق .

اتخذ ابن الزبير سياسة مزدوجة فأراد إبعاد الحسين من الحجاز بأي حيلة حتى يتسنى له التفرد بالدعم الشعبي الذي قد يخسره بحضور الحسين، وفي الوقت ذاته قدم مشورته للحسين وأقنعه بالذهاب إلى الكوفة ولكن بِطُرُقٍ غير مباشرة وذلك ما تم؛ فبعد وصول ابن عقيل للكوفة ومبايعة بعض الأنصار كتب خطابًا إلى الحسين يدعوه إلى العراق.

يزيد بن معاوية يضع خطة للإطاحة بهذا المشروع الديمقراطي الثائر الذي يخطط له الحسين وابن الزبير؛ خوفًا على نظامه الملكي الحديث. كان عبيد الله بن زياد على البصرة والنعمان بن بشير بالكوفة. وفي أيام النعمان تمكن مسلم بن عقيل من ضمان بعض الأصوات المؤيدة. لكن بعد أن عزل يزيد النعمان جعل الكوفة والبصرة تحت إمارة ابن زياد.

تمكن عبيد الله بن زياد من كشف البيت الذي تلقى فيه مسلم الدعم فقام بإغراء الكوفيين بالمال، وأطاح بمشروع الحسين، وقطع رأس ابن عقيل وهانئ بن عروة، ثم أمر يزيد بن معاوية عبيد الله بن زياد بتشكيل جيش بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص لاغتيال الحسين مقابل إمارة الري. حاصر الحر بن يزيد التميمي رجال الحسين بأرض كربلاء، وقد انضم لاحقًا إلى النضال وقاتل مع الحسين.

هكذا قطعوا رؤوس آل البيت وأنصار الحسين وأرسلوها إلى عبيد الله بن زياد بالكوفة وأقام مأدبة بمجلسه. وطافوا برؤوسهم في شوارع الكوفة لأيام، ثم أرسلوها إلى يزيد بالشام بموكب سِيق فيه أهل البيت كسبايا الحروب! استقبل يزيد بن معاوية القافلة بدموع زائفة وألقى اللوم على ابن سمية، وختم المشهد بإرسال زينب وعلي وفاطمة وسكينة إلى المدينة!

يزيد هاتك عرض آل النبي الكريم. يزيد قاتل الحسين وأبنائه. يزيد قاطع الرؤوس. كتب التاريخ تشهد بأن الأفراد مسؤولون أمام الله عن دماء الحسين ومن معه؛ ولا نبرئ أحدًا فالجميع شركاء في هذه الجريمة اللاأخلاقية. فهي من أبشع ما قرأت في التاريخ الإسلامي. فقد استباح يزيد بن معاوية المدينة المنورة ومكة المكرمة ثلاثة أيام وحرق أستار الكعبة بالمنجنيق دون أي مراعاة لحرمتيهما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد