صاروخية الشيخ فلان، أطول نفس للقارئ علان، جوابات القارئ العالمي ترتان، جميع المقامات الشرقية والغربية وما لا يعرفه أهل النغم من شيخ مشايخ المشايخ، مهرجان ومليونية وليلة تاريخية.. وكأن هذه الليلة محتاجة للإمام الطبري ليسجلها في كتابه تاريخ الطبري! أطول نفس: «المعوزتان» – هكذا اخترعوها بحرف الزاي – وفاتحة الكتاب وأول سورة البقرة بنفس واحد، ومع كثرة الإسفاف من الممكن أن يوصف قارئ ما بقدرته على جمع البقرة وآل عمران بنفس واحد، والناس يشبعونه إعجابًا ومديحًا! رمضانك أحلى مع قارئ العالم الإسلامي وغير الإسلامي يوميًا ساعة صلاة التراويح، رنتك المفضلة بصوت الشيخ الطبيب والعلم القرآني والمعالج الروحاني سعر الخدمة خمسة جنيهات، روائع ومقتطفات للعلم القرآني الكبير والقارئ الإذاعي وفخر العالم الإسلامي.

ماذا لو خرج الإمام الشاطبي عالم القراءات والعلامة الفذ صاحب الشاطبية النظم المشهور بـ(حرز الأماني ووجه التهاني) وسمع ما يقال عن قراء اليوم أمثال تلك العبارات؟ أظنه سيموت كمدًا وحسرة.

ولولا موت مولانا الشيخ أحمد محمد عامر، والشيخ أبو العنين شعيشع، والشيخ عبد الحكيم عبد اللطيف رحمة الله عليهم، وإبعاد الشيخ المعصراوي، ما سمعنا عن هذه المهزلة، خاصة عند اختيار القراء في الإذاعة والظهور أمام الجمهور في الاحتفالات الكبرى والمناسبات المختلفة، وأزيدك من الطامة شيئًا عندما تعلم أن بعض الذين تراهم في شاشة التلفاز غير معتمدين من أساسه ضمن القراء، ولكن لأسباب وأوامر ما صعد قارئًا، ناهيك عن أخطائه في الأحكام والأداء! علاوة على أن بعض المشايخ – إن لم يكن كلهم – يعتمدون على المؤثرات الصوتية والبطانة النفعية.

ولعلك تسمع العجب العجاب عندما تسمع اضطرارًا ما يأتي به قراء اليوم من أفانين الوقف والابتداء، وما القراءة إلا كما قالوا: تجويدك للحروف، ومعرفتك للوقوف.

ومعرفة أحكام الابتداء والوقف من الأحكام المهمة للقارئ والمستمع في إيصال المعنى القرآني وإيضاحه، وقد أفرد علماء القراءات لهذا أبوابًا في كتب التجويد، وإليكم بعض النماذج القبيحة في البدء والوقف التي يتغير معها المعنى، ولا هدف لمن يقوم بها إلا استعراضًا للنفس واستجداء كلمات الثناء من المستمعين وتعويضًا لنقص الأداء القرآني المفقود، ومع ذلك يلقى استحسانًا وتهليلًا من عوام المستمعين فيزداد تشجيعًا واسترسالًا.

وقد عرّف العلماء الوقف القبيح بأنه الوقف على كلام لم يتمَّ معناه؛ لتعلقه بما بعده لفظًا ومعنى، مع عدم الفائدة، أو أفاد معنى غير مقصود، أو أوهم فساد المعنى، كالوقف على العامل دون معموله، أو الوقف على المضاف دون المضاف إليه؛ حيث لا يعلم السامع لأي شيء أضيف المضاف، أو الوقف على المبتدأ دون خبره، أو الوقف على الموصوف دون صفته.

ومن هذه الأمثلة:

– الابتداء بلفظ الجلال بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ من قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ..  وكأن هذا قسم من لقمان الحكيم، وهذا غير صحيح؛ لأن الجار والمجرور في قوله تعالى (بالله) متعلق بالفعل لا تشرك، وليس متعلقًا بفعل قسم محذوف.

– أحدهم يقرأ ويقف على لفظ الجلال في قوله: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ. من قوله تعالى: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ الأعراف. الآية 28، موهمًا السامع أنها قسم، وهي ليست بقسم.

– وآخر يقرأ: قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ.. وهذا يؤدي للبس؛ حيث يفهم السامع من عود الضمير في أكله أنه للمتاع، والصواب الوصل؛ لأن الأكل كما ادعوا هو الذئب، لا المتاع. قال تعالى قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ. يوسف – الآية 17.

– الوقف على كلمة (لا) الأولى في قوله: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) القصص – الآية – 9، و(لا) الموقوف عليها خطأً ناهية لا بد من وصلها مع فعل النهي؛ حتى يُفهَم المعنى، والوقف عليها يوهم بأنها نافية، وكأن امرأة فرعون قالت هو قرة عين لي فقط، أما لك فلا!

– الوقف على جملة الصلة في قوله (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا من قوله تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِير فاطر – الآية 7، وهذا يفسد المعنى فالعذاب الشديد للذين كفروا، ولكن ماذا يفعل القارئ؟ وقد أرد أن يصل أكثر من آية، وقد توقف نفسه عند هذا الوقف القبيح.

– ومنه الوقف على لفظ (وَالظَّالِمِينَ) من قوله تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الإنسان – 31.

ولا يجوز للقارئ تعمد الوقف على شيء من هذا إلا لضرورة، ويسمى حينئذٍ وقفَ الضرورة، وهو مباح للقارئ، وهذا ما أشار إليه الجزري في المقدمة الجزرية بقوله:

وَبَـعْـدَ تَـجْـوِيْـدِكَ لِلْـحُـرُوفِ

لاَبُــدَّ مِــنْ مَعْـرِفَـةِ الْـوُقُــوفِ

وَالابْـتِــدَاءِ وَهْــيَ تُـقْـسَـمُ  إِذَنْ

ثَـلاَثَـةً تَــامٌ وَكَـــافٍ وَحَـسَــنْ

وَهْـيَ لِمَـا تَـمَّ فَــإنْ لَـمْ يُـوجَـدِ

تَعَـلُـقٌ أَوْ كَــانَ مَعْـنَـىً فَابْـتَـدي

فَالتَّـامُ فَالْكَـافِـي وَلَفْـظًـا فَامْنَعَـنْ

إِلاَّ رُؤُوسَ الآيِ جَـــوِّزْ فَالْـحَـسَـنْ

وَغَـيْـرُ مَـا تَـمَّ قَبِـيْـحٌ وَلَــهُ

الْـوَقْـفُ مُضْـطَـرًّا وَيُـبْـدَا قَبْـلَـهُ

وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِـنْ وَقْـفٍ وَجَـب وَلاَ حَـرَامٌ غَيْـرَ مَــا لَــهُ سَـبَـبْ

وهناك فئة من القراء – ولفظ قراء هنا مجازًا؛ فهم ليسوا بقراء – يتخير آيات الترغيب ولا يكمل ما بعدها إن كانت آيات ترهيب، وبعضهم يقف على مشهد معين من قصة قرآنية فيقطع المعني ويفسده دون أن يكمل القصة، ولعل هذا الوقف هو ما دعا سيدنا عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – أن يعيب على مثل هؤلاء القراء في تلك الوقوف، روي عنه – رضي الله عنه – أنه كان إذا دخل شهر رمضان قام أول ليلة منه خلف الإمام يريد أن يشهد افتتاح القرآن، فإذا ختم أتاه أيضًا ليشهد ختمه، فقرأ الإمام قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ البقرة – الآية 11، ثم توقف عن القراءة وركع فعابه عمر وقال: قطعت قبل تمام القصة إذ كان ينبغي عليه أن يكمل الآية التي بعدها إذ فيها رد القرآن على دعواهم هذه وهو قوله سبحانه: ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.

ولعل القارئ إذا تأدب بأدب القرآن لاقتدى بالرسول الكريم في قراءته، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ، يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ… سورة الفاتحة، ثُمَّ يَقِفُ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ يَقِفُ، وهكذا كانت قراءته صلى الله عليه وسلم.

وإنما الممنوع – كما ذكر علم الدين السخاوي في كتابه جمال القراء وكمال الإقراء – تغيير المعنى، بسبب الوصل المخل أو الوقف المخل للمعنى، ويدخل في هذا نحو قوله عز وجل: وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. يونس الآية: 65، إذ في وصله ما يوهم أنهم قالوا: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وأن قولهم ذلك قد أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس كل أحد يعلم المراد، فيقع اللبس على من لا علم له، لا سيما غير العرب، فيوقف على قوله عز وجل: وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ. ويبتدئ: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.. وكذلك لا يقف على اليهود في قوله عز وجل وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. التوبة الآية 30، ولا على اليهود في قوله عز وجل: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. المائدة 64، ولا على النصارى في قوله عز وجل: وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. التوبة الآية 30؛ لأن الوقف هنا يخل بالمعنى.

ومن ثم ففي معرفة الوقف، والابتداء الذي دونه العلماء تبيين معاني القرآن العظيم، وتعريف مقاصده، وإظهار فوائده، وبه يتهيأ الغوص على درره، وفرائده، فإن كان هذا بدعة فنعمت البدعة هذه.

وقد اختار العلماء وأئمة القراء تبيين معاني كلام الله عز وجل، وتكميل معانيه، وجعلوا الوقف منبهًا على المعنى، ومفصلًا بعضه من بعض، وبذلك تلذ التلاوة، ويحصل الفهم والدراية، ويتضح منهاج الهداية، فلا يقفون على مبتدأ دون خبره، ولا على موصوف دون صفته إلَّا أن يكون الكلام في الوقف على الموصوف مستقلًا مفيدًا مفهومًا، ولا على المبدل منه دون البدل إلَّا كقوله عز وجل: اهدنا الصراط المستقيم. فإنه يوقف عليه، ويبتدأ بما بعده كما تقدم في الصفة، ولا على الشرط دون جزائه كقوله عز وجل: وَمَنْ يَتقِ اللهَ. وهذا الوقف قبيحٍ؛ لأنه كلام غير مفهوم حتى يتصل بقوله عز وجل: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجا.

هل عرف صاحب الحنجرة الذهبية والأوتار الكمانية ما قاله علم الدين السخاوي نصيحة للقراء : اعلم أن معرفة الوقف والابتداء تنبني على معرفة معاني القرآن وتفسيره، وإعرابه، وقراءاته، فقد يقتضي بعض القراءات وقفًا لا تقتضيه القراءة الأخرى، فليتنا نتأدب بأدب القرآن ونقرأ عندما نقرأ بخشوع وأداء صحيح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد