ذكرى يوم الأرض، الذكرى التي يعيد فيها الفلسطيني تأكيد طبيعة علاقته المتميزة مع أرضه، وهويته، ووجوده، فلا وجود لأي شعب كان بدون أرض يعيش عليها، لذلك هذا اليوم رمز للشعب الفلسطيني المتمسك بأرض آبائه وأجداده، وتشبثه بهويته الوطنية، وحقه في الدفاع عن وجوده رغم القتل والتهجير ومصادرة الأرض وتنكيل الإرهاب «الصهيوني» بحق الشعب الفلسطيني، بهدف إبعاده قسرًا عن أرضه ووطنه.

وفي يوم الأرض تنتفض الصقور الجريحة من صحراء النقب إلى قمم الجبال في القدس، وسهول الأرض في غزة، وأغوارها ومثلثها في الجليل، لتعلن أن فلسطين وطن الشموخ والعزة والكرامة من مهد الميلاد إلى لحد الممات.

في يوم الأرض أيقظت أم الشهيد ابنتها خديجة، وقالت لها انظري فهذه أرض فلسطين يا رجا، أرض الشهداء يا محسن تحتفل اليوم بميلاد الشهيد يا رأفت، وترش الدماء الحمراء على ورد شقائق النعمان تدعو الأحباب خير وخضر لتراب ثراها.

وجاءت الشرارة والهجمة الشرسة من قبل «إسرائيل» لمصادرة مساحات واسعة من أراضي الجليل، لتنفيذ مشروع تهويد الجليل والنقب في مطلع 1975، وأطلق عليه اسم مشروع «تطوير الجليل»، والذي كان في جوهره الأساسي مصادرة نحو 21 ألف دونم من أراضي عرابة وسخنين ودير حنا وعرب السواعد وغيرها، لتخصيصها للمستوطنات «الصهيونية» في الجليل، وكأنها لم تكتف بملايين الدونمات التي صادرتها من قبل.

وفي التاسع والعشرون من مارس/ آذار من عام 1976، وقف الشعب الفلسطيني في الجليل والمثلث والاتحاد العربي للقبائل في فلسطين ليعلن كلمته التاريخية بانتفاضة لم يشهدها الجليل من قبل ضد العصابات «الصهيونية»، وعلى أثرها داهمت هذه العصابات قرية عرابة، وأخذت تضرب وتطلق النار عشوائيًّا، واستشهد نتيجة ذلك أحد الفلسطينيين، الشهيد خير أحمد ياسين، وكان أول شهداء نزيف يوم الأرض.

وفي اليوم الثاني السبت الثلاثين من شهر مارس/ آذار من عام 1976، أصدرت هذه العصابات أمرًا بمنع التجوال مدة 24 ساعة في قُرى الجليل والمثلث، وهذه التهديدات لم تمنع الفلسطينيين من التعبير عن رفضهم وحقدهم وسخطهم، فخرجوا واشتبكوا مع آلة البطش في معركة لم يسبق لها مثيل، وكان نتيجتها أن ارتقى ستة شهداء، بالإضافة إلى جرح 226 آخرين، واعتقال أكثر من 300 فلسطيني.

هل اكتفت «إسرائيل» بذلك؟ لا بل استكملت مشروعها التهويدي في جميع أرجاء أرض فلسطين التاريخية، متمثلة في الضفة الفلسطينية  وغزة والنقب بمشروع برافر، بمصادرة مئات آلاف الدونمات في النقب من أيدي الفلسطينيين وتهجير40 قرية عربية، التي دافعت عن هذه الأرض المباركة بدماء الشهداء في قلنسوة وأم الحيران من خلال المواجهات للحفاظ والدفاع عن هذه الأرض.

أصبح يوم الأرض يومًا وطنيًّا فلسطينيًّا بامتياز، إذ يحيي الشعب الفلسطيني على امتداد فلسطين التاريخية هذا اليوم بوقفات احتجاجية ضد العدوان «الصهيوني»، مرددًا الهتافات الفلسطينية التي تدل على الصمود والتحدي، رافعًا شعارات تطالب بزوال هذا السرطان المتفشي «إسرائيل» ومستوطناتها.

وهذه الذكرى تمر بعبقها وشجونها وطيفها،بدمائها الحمراء لترسم معالم القوة بانتفاضة القدس لتعلن رفضها لهذا الكيان المتسرطن في فلسطين من أجل تحرير هذه الأرض المباركة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

فهبة يوم الأرض لم تكن وليدة صدفة؛ بل كانت وليدة مجمل الأوضاع التي يعانيها الشعب الفلسطيني الذي انتفض على جلاده المتغطرس، ليتعالى على جراحه النازفة ليقول لا للاحتلال، ولا للانقسام الأسود، ليلتحم الشعب والأرض بكلمة واحدة ويقول: هذا يوم الأرض يا صقور فلسطين.. لن ينزعني منك إلا القدر يا أرض الحنين فلسطين النازفة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد