صورة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة

تعرف تونس، أواخر هذه السنة، تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة حيث تعيش منذ فترة على وقع الإعداد لهذا الموعد.

يراهن الجميع في تونس وكذلك المتابعين لتجربتها على إجراء هذه الانتخابات في وقتها، ويعد استكمال انتخاب أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات منذ شهر أحد العوامل المطمئنة على إمكانية احترام الموعد الانتخابي.

أعطى الدستور الجديد للبلاد صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة، وقلص بشكل كبير من صلاحيات رئيس الجمهورية مقارنة بدستور 1959، مع اختصاصه بمجالات الدفاع والعلاقات الخارجية، حيث يعتبر النظام السياسي الحالي «شبه برلماني شبه رئاسي».

هذا التوزيع الجديد للسلط، الذي قدم رئيس الحكومة على رئيس الجمهورية، من حيث ثقل الصلاحيات، لم يصحبه بعد تغير على مستوى نظر التونسيين الى الوظيفتين، حيث ما زال الاهتمام بمنصب رئيس الجمهورية أكثر وسر هذا الاهتمام يكمن في  ما علق في المخيلة الشعبية حول هذه المهمة، فقد عاشت البلاد لأكثر من 60 سنة تجميع لكل السلط في يد الرئيس ط.

مع اقتراب موعد الانتخابات يزداد التساؤل حول شخص الرئيس القادم والخيارات هنا متعددة.

رؤساء تونس

قبل 25 يوليو (تموز) 1957 كانت تونس تحت نظام الملكية ، لكن ومنذ ذلك التاريخ أعلن المجلس القومي التأسيسي حينها برئاسة الجلولي فارس إلغاء الملكية وتعيين رئيس الحكومة أن ذاك الحبيب بورقيبة رئيسا للدولة ليطلق عليه لقب رئيس الجمهورية التونسية إثر المصادقة على الدستور في 1 يونيو (حزيران) 1959

دامت فترة حكم أول رئيس للجمهورية 30 سنة، تميزت بمركزة تونس بماضيها وحاضرها في شخص الزعيم، بالنظر لدور بورقيبة في الحصول على الاستقلال وما يتميز به من كاريزما  وما انتهجه من دكتاتورية أقصى من خلالها كل منافسيه.

تولى الرئيس الثاني للجمهورية التونسية زين العابدين بن علي الحكم إثر انقلاب عسكري على الرئيس بورقيبة في 7 نوفمبر ( تشرين الثاني) 1987 لتدوم فترة حكمه أكثر من 23 سنة تميزت بالاستبداد و انتشار الفساد بما تسبب في ثورة على نظام حكمه انتهت بفراره من البلاد.

إثر الثورة تداول على منصب رئيس الجمهورية ثلاثة رؤساء حيث تولى فؤاد المبزع رئيس مجلس النواب فترة حكم بن علي الرئاسة إثر فرار الأخير بمقتضى تأويل الفصل 59 من دستور البلاد الذي يقضي بتولي رئيس مجلس النواب رئاسة  الجمهورية في حال شغور هذا المنصب إلى حين إجراء الانتخابات، دامت فترة حكم المبزع من 15 يناير (كانون الثاني) 2011 إلى غاية 15 ديسمبر (كانون الأول) 2011 تاريخ تسلم رئيس الجمهورية الجديد منصف المرزوقي لمهام رئيس الجمهورية اثر انتخابه من قبل المجلس الوطني التأسيسي.

تميزت فترة فؤاد المبزع بغياب منصب رئاسة الجمهورية عن الجدل في البلاد حيث لم يظهر إلا في المناسبات الرسمية على عكس الرئيس منصف المرزوقي الذي تميزت فترته بكثرة الجدل حول شخصه و طريقة إدارته للبلاد، رغم أن الدستور الصغير المعمول به حينها، في ظل إلغاء الدستور القديم والانطلاق في صياغة الدستور الجديد، حدد صلاحيات رئيس الجمهورية، انتهت فترة حكم المنصف المرزوقي بتولي الباجي القائد السبسي رئاسة الجمهورية كأول رئيس ينتخب بطريقة مباشرة من الشعب في أواخر سنة 2014 .

حاول الباجي أن يكون بورقيبة الديمقراطي فيجمع بين كاريزما الزعيم والديمقراطية إلا أنه فوت على نفسه هذه الفرصة.

رئيس الجمهورية بين دستور 1959 ودستور 2014

تحول النظام السياسي في تونس من نظام رئاسي حسب مقتضيات دستور 1959 إلى نظام شبه برلماني حسب دستور 2014، حيث مكن دستور 1959 رئيس الجمهورية من صلاحيات واسعة فقد جاء في الفصلين 49 و50 منه أن «رئيس الجمهورية يوجه السياسة العامة للدولة ويضبط اختياراتها الأساسية ويعلم بها مجلس النواب. ولرئيس الجمهورية أن يخاطب مجلس النواب ومجلس المستشارين مباشرة أو بطريقة بيان يوجهه إليهما، ويعين رئيس الجمهورية الوزير الأول، ويعين بقية أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول. رئيس الجمهورية يرأس مجلس الوزراء».

هذه الصلاحيات الواسعة مكنت بورقيبة، ثم بن علي من الانفراد بالسلطة والانزلاق بهذا النظام شيئًا فشيئًا ليصبح رئاسويًا حيث تجمعت كل السلط بيد رئيس الجمهورية؛ مما أدى إلى الدكتاتورية والاستبداد.

اثر الثورة وهربًا من الاستبداد جنح النواب المؤسسون إلى اعتماد نظام سياسي يوزع السلطة بين البرلمان والحكومة ويحد من سلطة رئيس الجمهورية، حيث انحصرت مهامه بتمثيل الدولة وضبط سياسات الدولة المتعلقة بالدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة.

هذا التوجه الجديد مكن البرلمان والحكومة من صلاحيات أهم من رئاسة الجمهورية فأصبح منصب رئيس الجمهورية منصبًا شرفيًا لا غير كما هو الحال في إيطاليا وألمانيا و بلجيكا.

أهم المتنافسين  على رئاسة تونس في 2019

صورة طابور الناخبين في تونس 2014

الظاهر أنه من المبكر تحديد المترشحين إلى الرئاسة في انتخابات 2019، إلا أنه وبدراسة بسيطة للمشهد السياسي في البلاد  يمكن تحديد أبرزهم ، حيث من المرجح أن يدفع الباجي قائد السبسي إلى إعادة الترشح من قبل محيطه حيث تعددت التصريحات التي تنذر بذلك، ولعل أبرزها تصريح نجله حافظ قائد السبسي المدير التنفيذي لحزب نداء تونس، والذي قال فيه نإه لا خيار للنداء سوى ترشيح الباجي قائد السبسي من جديد.

المنصف المرزوقي الرئيس السابق للبلاد من المرشحين الجديين في هذه الانتخابات، حيث تبرز عمليات سبر الأراء حلوله في مراتب متقدمة في نوايا التصويت ويعول منصف المرزوقي مرة أخرى على شعب النهضة لدعمه حيث أطنب في مغازلتها و مغازلة قيادتها في الفترة الأخيرة بعد أن هاجمهم في وقت سابق.

اعتبر مجلس شورى النهضة أن الحركة بدورها معنية بهذه الانتخابات و لن تقف موقف الحياد كما حصل في انتخابات 2014، وإن يبرز للعيان مرشح النهضة بعد إلا أنه من الواضح إما أن تدعم مرشحًا مستقلًا، والأرجح هنا أن يكون حمادي الجبالي أمين عام الحركة ورئيس الحكومة الأسبق أو مرشحًا حزبيًا وقد يكون يوسف الشاهد رئيس الحكومة الحالي إذا ترشح أو مرشح من بين قياديي النهضة وهنا، وإن كان القانون الأساسي للنهضة يعطي لرئيس الحركة الأستاذ راشد الغنوشي الأولوية في ذلك، أو أن يطرح على مجلس شورى النهضة مرشحًا آخر يختاره هو للتزكية، أعلن الاستاذ راشد في أكثر من مرة أن رئاسة الجمهورية ليست من طموحاته، إلا أن خيار ترشيحه من قبل النهضة يبقى مطروحًا في ظل وجود رأي داخلها يرى ذلك.

ترشح رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد الذي يحتل المرتبة الأولى في نوايا التصويت غير مرجح رغم سعي محيطه نحو ذلك ليكون رافدًا مهمًا لحركة تحيا تونس في الانتخابات التشريعية، عدم ترجيح ترشح يوسف الشاهد لرئاسة الجمهورية يعود إلى شرف المهمة، وصعوبة تغيير النظام السياسي في هذه المرحلة فمن العبث أن يترشح شاب بطموح رئيس الحكومة إلى رئاسة الجمهورية إذا وجد معادلة يضمن من خلالها تواصل تربعه على عرش الحكومة وهو ما يسعى له في تحالفاته.

تبقى هذه الخيارات المطروحة، لكن من الممكن أن يبرز للساحة مرشح آخر في الفترة القادمة وقد يكون للمنظمات الاجتماعية رأي في ذلك، خاصة وأن الاتحاد العام التونسي للشغل أعلن في وقت سابق أنه معني بالانتخابات القادمة، وقد أعلن أحد قيادات الجبهة الشعبية أن حسين العباسي الأمين العام السابق للاتحاد العام التونسي للشغل قد يكون مرشحهم في الانتخابات القادمة كما يمكن أن يكون لاتحاد الفلاحين أو اتحاد الأعراف خاصة، وأن الرهان اقتصاديًا بالأساس في البلاد كلمة خلال هذه الانتخابات.

الرئيس القادم لتونس

برهنت انتخابات 2011 و2014 على أن الناخب التونسي يتخلى عن كل أشكال المنطق و العقلانية لحظة الاختيار، لينتصر العامل النفسي والعاطفة حينها، حيث انتخب النهضة في 2011 تعاطفًا معها جراء ما تعرض له المنتسبين إليها من تنكيل وسجون ومنافي زمن الاستبداد وانتخب النداء تأثرًا بحملات التخويف والترهيب من  النهضة، وتأثرًا بالخطابات الحسية التي دغدغ بها الباجي قائد السبسي وجدان الناخبين وهمومهم.

رئيس تونس القادم سيكون الأكثر قدرة على التأثير في نفسية الجماهير وتحريكها نحو صناديق الاقتراع، الكاريزما والقدرة على مخاطبة وجدان الناخب من العوامل المؤثرة في تحديد رئيس تونس القادم.

انحياز الإعلام لمرشح بعينه، أو بالأحرى قدرة أحد المرشحين على توظيف الإعلام بما فيه الاعلامي الالكتروني، ومواقع التواصل الاجتماعي لرسم صورة ايجابية له عند الناخبين عاملًا مرجحًا لاختيار الرئيس القادم لتونس.

من المحددات الأخرى، وفي ظل عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي، وفي ظل الصعوبات الاقتصادية التي تعيشها البلاد، هي قدرة المرشح على تجميع الفرقاء وطمأنة التونسيين على أمنهم القومي بمعنى الصرامة في مواجهة الإرهاب والجريمة، إضافة الى الكفاءة في تحقيق الأمن الغذائي وتوفير العيش الكريم للتونسيين.

قد يتبادر للأذهان بأن هذه المواصفات لا تتلاءم مع منصب رئيس الجمهورية حسب الدستور الجديد، لكن بالعودة لسيكولوجية الناخب التونسي، وتمركز صورة رئيس الجمهورية في المخيلة الشعبية للتونسيين، سيكون ما أسلفنا  ذكره من مواصفات محددة في اختيار الرئيس القادم لتونس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد