يزهو شباب عمرنا، نوقن بأخطاء السابقين، فنتعظ ونعتبر منها. بيد أن السابقين يوقنون بأنهم أكثر تقدمًا ونجاحًا.
تعانقنا أطياف أحلامنا ليلًا، وتنفر منا حين ننغمس مع  السابقين في الحديث؛ فتقف على مرمى البصر، تتدلى وتتمايل، تغازلنا كي لا نسمع لهذا الكلام المزوج بلهجة السخرية لما نفكر به، لا تعلم أن هناك من يخطط لرجمها وهي على قيد الحياة، وأن التراب سيواريها قريبًا، وأنها ستغدو مجرد ذكريات عالقة، وأنها كما رُجمت حية، وعجزت عن الحراك، ستدفن قريبًا حين يواريني التراب. لا يعلم هؤلاء أن هذه الأفكار بالنسبة لنا هي طريق الموت البطيء، وأن مجرد التفكير به يقربنا رويدًا رويدًا من آجالنا.

لم يكن يدرك عبد الناصر بأن عقيدته التي نادى بها، ستكون أُنموذجًا ناجحًا، يُضرب به المثل بين الناس منذ نهاية الستينات من القرن الماضي!
هذا النموذج الناجح الذي حقق نجاحًا باهرًا – كما يظن ويعتقد – هو العقبة الكبرى التي تعوق هذا الجيل الحالي من الشباب. والمسوغ لذلك «هذا ما وجدنا عليه آباءنا».

لم يدرك مشركو مكة حينما قالوا هذه الجملة عن جهلٍ وضلالٍ منذ ما يزيد عن 14 قرنًا أنها ستقال في هذه الآونة عن علمٍ ونورٍ من حملة الإجازات العالية، وذوي الخبرة والفقه في الحياة، فبالرغم من أنهم ينتقدونها عليهم، إلا أنها لا تُنتقد عليهم، فلذلك مسوغ مقبول؛ إنه نظام يضمن لك الحياة، بعد أن يقتلك حيًا، يسلبك كل أحلامك وحياتك، تشاهد أهدافك وطموحاتك وأرواحها تسلب أمام عينيك، تشيعها واحدةً تلو الأخرى حتى يجمعك الله بها على خير.

لم يدرك سائق (الميكروباص) أن مقولته تلك ستدفعني لكتابة هذا الكلام بعدما سمعت مبرراته في تربية أبنائه، ونصائح والده في معاملة أبنائه، والتي لا تحوي إلا مفهوما واحدًا «هذا ما وجدنا عليه آباءنا»!

لم يدرك أحد أقربائي وهو يوجهني في محادثته الأخيرة للكد والاجتهاد من أجل الظفر بالوظيفة التي – كما يسميها من وجهة نظره – «المستقبل»، وأن حديثي معه ما هو إلا هراءٌ لا قيمة له، لم يدرك أن تلك المبالغة ستجعلني أزداد حنقًا وبُغضًا لها. فهو اتبع مسيرة آبائه وأقرانه السابقين، بل إنه يرى أنه بتلك الوظيفة سبق أقران عصره ومن سبقوه، هذا لأنه اجتهد وثابر، ولا يدرك أن هذا النجاح خادع.

لم يدرك صديقي الذي يحثني ويدفعني لأن أكون ضابطًا؛ كي أتحصل شهريًا على قدرٍ من المال الذي سيضمن مستقبلًا ناجحًا وزواجًا سعيدًا هنيئًا، ومكانةً اجتماعية مرموقة، إنني لن أرغب في الحديث معه مرةً أخرى بسبب ضيق الأفق الذي أصابه، فحجته أن المعاش والتأمين سيضمن لك حياة هنيئة، ما هو إلا تطبيق حرفي لـ«هذا ما وجدنا عليه آباءنا».

لا أنكر عليهم فكرهم، ولا أعيب عليهم منهجهم، فلكل منا رؤيته التي تختلف بين أشخاصنا، ولكل منا ما يرغبه ويهواه، لا أنكر عليهم سوى أنهم جعلوا من أنفسهم أوصياء على شؤون غيرهم، وانشغالهم بطموحات غيرهم، أنكر عليهم اقتناعهم بأنهم ذوو البصيرة دون سواهم من الناس، فما يقولونه لا يعدو كونه صحيحًا، بل إنه الصواب بعينه؛ لأنه «هذا ما وجدنا عليه آباءنا».

لا أعيب عليهم فكرهم بقدر ما أشفق عما أصابهم من عُقم فكري، واقتصار النجاح على تلك الوسيلة. وأنها أصبحت تتوارث جيلًا بعد جيلٍ، وأن من خرق تلك العادة أصبح منبوذًا، غير محمود فعله، عاقٍ لنهج آبائه. فما أحلى الحياة بعيدًا عن هذا الروتين العقيم! وما أمتع الصعود والهبوط والمعافرة في الموازنة بينهما! وما أفضل أن تكون أنت لأنك أنت!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد