الجزائر و العالم يحتاجان الجزائر آمنة مستقرة

تعي الجماهير الخارجة في كل جمعة للتعبير عن رأيها المشروع في التغيير خطورة التسييس وأدلجة المسيرات السلمية، وهذا ما يحسب فعلا للوعي الشعبي الذي يعرف أن كل تأطير من السياسيين سيمثل انحرافًا لمطالب الشعب، وسيصبح صوت الشعب أداة ضغط وابتزاز لكل من يريد الوصول للحكم، وربما الدخول في دوامات عنيفة مثلما حدث في مظاهرات 1988، التي قدمت فيها أحزاب عديدة نفسها متحدثة باسم الشعب، فتحول جوهر المطالب إلى مطلب منازعة على حكم البلاد، أما اليوم فالشعب لم يسمح لأي طرف بقيادة مسيرته، مما قطع الطريق على السلطة من أجل المناورة والابتزاز والتجاذب المعروف بين السياسيين، ولو حدث وتبنى أي طرف سياسي للأحداث لشهدت البلاد انزلاقات خطيرة، ولتدخلت قوى خارجية بالتأكيد لنصرة من يمثلها، مما يفاقم من الأزمة ويعطيها أبعادًا أخرى.

اتفق العديد مع طرح المؤسسة العسكرية للحل في إطار دستوري مبدئيًا، والإسراع في تلبية مطالب الشعب، خاصة وأن إطالة أمد الحراك قد يستغل من جوانب كثيرة، وأصبح من مصلحة الجميع الحفاظ على الدولة بكل مؤسساتها مطلبًا ملحًا، والكثيرون ثمنوا مقترح قائد الأركان الدي جاء فعلاً مخالفًا لتوقعات من أملوا تدخلًا عسكريًا ضد أو لصالح أي طرف، فكان المقترح محايدًا وواضحًا، بالرغم من محاذير عديدة حول مدى تقبل الشعب له والذي يطالب بالرحيل الجماعي للنظام.

أما على الصعيد الخارجي ففي كل تقرير سنوي من الأمم المتحدة من كل مجالسها حول الجزائر تبدي تحفظات عديدة حول الكثير من القضايا مثل الحريات العامة والتمثيل النسوي وغيرها، وآخر التقارير عن الجزائر أبدى الاتحاد الأوروربي مخاوف حول الاستقرار في الجزائر مع حفاظه على مفاوضات الشراكة معه في عديد المجالات الحيوية، من جهة أخرى أكدت المفوضية الأوروبية أن الجزائر تظل «فاعلًا أساسيًا» في مجال الأمن على المستويين الإقليمي والدولي حيث «أشادت» بمساهمتها في ضمان استقرار جوارها المباشر ودورها «المعتبر» كوسيط في الأزمتين المالية والليبية. وأكدت الهيئة التنفيذية الأوروبية أن «الجزائر تظل فاعلا أساسيا في مجال الأمن على المستويين الإقليمي والدولي حيث سمحت الجهود المتواصلة، لعصرنة التجهيزات وكذا العدد الهام من عناصر قوات الأمن التي تتوفر عليها للتصدي بشكل فعال للتهديدات الإرهابية».

أما من ناحية أخرى فالممون الأساسي للغاز إلى أوروبا بعد روسيا هي الجزائر، خاصة بعد المشاكل المتعاظمة مع روسيا بسبب القرم ومحاولة روسيا ابتزاز الاتحاد الأوروبي من أجل تقديم تنازلات سياسية، فالمؤكد أن من مصلحة الأوروبيين الحفاظ على الأمن الجزائري وضمان تدفق الغاز من منطقة يصعب السيطرة عليها المتمثلة في الصحراء الجزائرية، التي تشهد توترات عدة يتصدى لها الجيش الجزائري بكل ثقله الاستراتيجي وخبرته المهمة جدا في محاربة الإرهاب، في ظل الانفلات الأمني في ليبيا وضعف مراقبة الحدود من الجانب التونسي والوضع غير المستقر في النيجر ومالي، هده الرهانات التي جعلت من الجزائر شريكًا يجب المحافظة عليه.

يسترعي أيضا انتباه ويقظة السياسيين وخبراء الأمن القومي ومعاهد الاستشراف الأوروبيين بكل أطيافهم، قدوم الموجات البشرية التي غزتهم من جنوب المتوسط على شكل مهاجرين غير شرعيين وإرهابيين محتملين، والتي خلقت حرجًا أخلاقيًا للدول الأوروبية بين ما كانت تنادي به من وجوب مد يد المساعدة للاجئين وبين ما مثله قدومهم من تحد أمني واقتصادي، وأوروبا محتاجة للجزائر الآمنة اقتصاديًا والمستقرة سياسيًا من أجل السيطرة على الهجرة غير الشرعية، والوضع المنفلت سيفاقم من الهجرة نحو الشمال ويصبح جنوب المتوسط قرنًا أفريقيًا جديدًا قد يشكل مرتعًا خصبًا للقرصنة البحرية.

تلعب الجزائر منذ استقلالها دورًا مهمًا في المشاكل الإقليمية التي تهم كل العالم، وترعى الاتفاقات بين كل طرف في أي مشكلة شريطة عدم التدخل الدولي الذي دوما ما يفاقم الأوضاع بين كل الفرقاء المتصارعين، وهذا ما وجدته العديد من الدول الكبرى دورًا محمودًا للجزائر المحايدة إلى حد كبير جدًا، ومحاولة إدخالها في دوامة جديدة يفاقم حتمًا المشاكل الإقليمية.

الجزائر التي أصبحت بعد تقسيم السودان أكبر دولة أفريقية وعربية وما تمثله قوتها الواعدة اقتصاديًا وعسكريًا مهمة للجميع، باعتبار المنطقة اليوم ساخنة ومحيطها الحيوي غير مستقر، لدلك أصبح لزامًا على المؤسسة العسكرية تنبيه الأطراف السياسية الداخلية أن ضرب استقرار البلاد و إشغال جيشها في حروب جانبية من الممكن أن يؤدي إلى انزلاق أمني أخطر بكثير مما حدث في التسعينيات، فالوضع آنذاك كانت الدول مستقرة والجزائر مضطربة لذلك أمكنها التنفس عن طريق الرئة الجوارية، لكن اليوم لا رئة لنا والجوار مختنق، والمراهن على الشارع المعبر عن مطلب شرعي ومقبول تمامًا حسب بيانات الجيش الجزائري، لكن المؤشرات الإقليمية يجب أن تقرأ بتمعن، للخروج بحل مرضٍ للشعب ومصلحة الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات