شهيد العلم

على هذه الأرض ما يستحق التغيير، من أعلى الهرم إلى أسفله من السلطة التي تتربع على الكراسي إلى عقول العامة التي باتت تمشي كأنها منومة مغناطيسيًا، تتكرر مشاهد الرعب في الساحة من جرائم وفساد إلى نهب واستبداد، لا يميز الجاني من المجني ولا الأشهر الحلال من الأشهر الحرُم، علت سلطة الظلم فبات القتل مستباحًا والقصاص محظورًا.

اهتزت الجزائر منذ أيام بخبر سقط علينا كالصاعقة، طالب يدرس الطب قتل بهدوء وبساطة تامة في إقامة للطلبة بالجزائر العاصمة.

(يوما ما) كتبها في حسابه على الفيسبوك ووضع صورته بالمئزر الأبيض، يومًا ما سيصبح أصيل طبيبًا، لكنه رحل قبل أن يأتي هذا اليوم، فعلا فنحن في بلد يجعلك ترى أحلامك من بعيد ولا تصل إليها إلا بشق النفس أو بعد أن يوارى الثرى على قبرك.

كانت المسكينة تنتظره أن يأتي إليها حاملًا ابتسامته الجميلة وخطواته تتسارع شوقًا إليها، جنينًا حملته شهورًا وطفلًا عانت من أجله آلام المخاض، ورجلًا أودعته مالها ودعواتها ليعود إليها طبيبًا يداويها من نوائب الشيخوخة والكبر، ومن للأم إذا فقدت ابنها! بعد سنوات يعود إليها هذه المرة محمولًا في صندوق يكاد يبكي ثقلاً وحزنًا على ما يحمل، روح طاهرة بريئة راحت تطلب العلم وتتشبث بأحلامها مرسومة على ظهر القمر، ليكون يومًا ما طبيبًا ينقذ أرواح الناس ويحلق بها في سماء الفرح، ينتظرك الوطن أن ترد دينه وهو لم يقدم لك شيئًا غير الأسى والحرمان ومساحة من التراب تمشي فوقها، مطالب دومًا بالواجبات ولا حق لك لتأخذه، وحين تموت يهتز الشعب ووسائل الإعلام والحكومة والكرة الأرضية، والحقيقة أن قلب الأم وحده من يتقطع مليون قطعة ويحترق ويخلق من جديد ثم يحترق كطائر الفينيق، ونحن هنا ننتظر أن يأتي طير كالذي أنقذ الكعبة من فيل الحبشة لينقذنا من هذا الكابوس الذي نعيشه.

«على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، أصيل استحق الحياة ومشى في دروبها حلوة كانت أو مرة، عزف الموسيقى وغنى فسمعه الكون الفسيح، ضحك فأسقط شعاعًا من النور في عيني والديه ومازح جده فأحس بتفاصيل الشباب تعود إليه بالتصوير البطيء، فعلًا خلقت الحياة لنعيشها فكل يوم يمر ليس بعائد، وكل شخص رحل لن يعود، وأصيل لن يعود لكن له إخوة لا زالوا هنا، إخوة اشتركوا في وطن واحد وحلم واحد، أن يرفعوا البلاء عن هذا الوطن وينيروا دروبه الظلماء من جديد كما أنارها أجدادهم في الجبال يوم ثورة نوفمبر، فلتنظر إليهم سيدي الرئيس، قم من كرسيك وألقي عليهم تحية مزيفة كانت أم حقيقية.

سيدي الرئيس وإنه ليحزننا اليوم نبأ يقين دخل بيوتنا، شاب طالب للعلم عاشق للحرية يدين بالإسلام يعيش على أرضنا، مات مقتولًا في غرفة كان بالأمس يضع فيها كتبه وحاسوبه ويقرأ عن مرض السرطان والدماغ، واليوم تسربت منها دماؤه، تصوروا أن المشهد ليس في فيلم هوليودي بل في إقامة للطلبة.

أطلق أصيل آخر أنفاسه، بأي ذنب؟ ولماذا وكيف؟ سيفتح التحقيق ويعاقب المجرم، وبعد أيام تنسى كأنها لم تكن، كأن تشخص المرض وتحقنه بالمهدئات ويعود فتهدئه مرة أخرى وهكذا دون أن تقضي عليه نهائيًا!

واليوم نعاني من أمراض كثيرة يخرزون فيها الحقن المهدئة أما الدواء الفعال فأثمانه باهظة أو ربما ما زالت البحوث قائمة لصناعته، أو تبقى العلة فينا إذن؟ الله أعلم.

إذا تكلمت، بأي حق تفعل ذلك! وإذا بكيت، أي عين ستطيق كل تلك الدموع؟ وإذا تظاهرت، أي اللافتات سترفع؟ نطالب بالسكن أم نطالب بحق اللجوء أم نطالب بالحرية؟ أم نطلب كتابًا لنتعلم به؟ العلم الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر»، وإذا حلمت، أي البنوك ستدفع لك حق التعويض عن أحلامك المفقودة؟ وإذا أردت الحياة هنا، بأي حق ستعيش؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد