في وداع شهيد

ليس النوم بكل أشكاله محبذًا لدى الأغلبية، رغم أننا نتمنى أحيانًا لو يأتينا على هيئة قدر ما ونحن متعبون من حجم ما نحياه من تناقضات تأبى الحياة لنا معها تصالحًا، ولكن ثمّة نومًا لا يروق لنا إنه النوم الذي لا صحوة بعده أبدًا، نوم يأتي على شاكلة رحيل.

في فلسطين النوم لا يعني ساعات استراحة قليلة وتعود بعدها إلى أحلامك وحياتك، فلا يكاد يمرّ يوم إلا ونشاهد مقاطع الفيديو التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر أهالي شهداء قتلهم رصاص الاحتلال الإسرائيلي دونما اكتراث؛ ليدخل الفلسطيني حالة نوم لا صحوة بعدها، نوم يُقال بأنه شكل من أشكال الخلود، ولكن القلب لا يقوى على الاصطبار وهو في قرارته يدرك أن مثل هذا النوم لا عودة بعده.

صوت أم يصرخ نحيبًا على نجلها الممدد أمامها تقول له أنا لا أصدقهم يا أمي أريدك أن تستيقظ، وتقول لي أنك كنت تمازحني في نومك هذا، ولكن العيون غفت ولا حراك للجسد؛ فتسقط هي الصرخة تلو الدمعة وهي ترجوه أن يسمعها كلمة أمي ولو للمرة الأخيرة تداعبه بالرضا عنه إذا ما قرر العودة لأحضانها وهو حيّ يُرزق، ولكنه الرحيل التي لا تريد أن تصدقه فتقول له: «تالله يا أمي إن هذا النوم ليس لك».

لتمرّ على سيرة زوجة خرج زوجها إلى عمله صباحًا مودعًا إياها كما كل يوم، أوصته بأن يعود لها كما ودعته معافى الجسد والقلب؛ فيقرر جندي في جيش الاحتلال أن يتمرنّ على قنص الفلسطينيين فيقتله دونما مبرر، فيعود لزوجته محمولًا على أكتاف مشيعيه هاتفين باسمه متبعينه بلقب الشهيد. جرّب أن تتخيل مشهد زوجته وهي ترجوه أن يشقّ عيناه ليراها ولو للمرة الأخيرة وهي تقبل جبينه وتهمس في أذنه «تالله يا حبيبي إن هذا النوم ليس لك».

وعن فتاة فقدت شقيقها شهيدًا في لحظة أراد فيها الاحتلال أن ينفذ حملة اعتقالات ضد فلسطينيين، فلا يلقي الجندي الإسرائيلي بالًا إلى أين يصوّب سلاحه، فترى أحدهم ممددًا على الأرض نازف الدم مغرورق العينين يتمتم ما لا نستطيع فهمه، ثم يلقي برأسه الذي بات ثقيلًا بفعل الألم على الأرض؛ فترجوه شقيقاته بأن «استيقظ يا أخانا، تالله عد لنا إن هذا النوم ليس لك».

أما عن أطفال يعاندهم القدر ويسلبهم والدهم لأن جيش الاحتلال قرر أن يبدأ حربًا على الفلسطينيين ضمن حرب لا تُبقي ولا تذر، فتراهم راكعين أمام أرجله وهو مسجى أمامهم بلباس غرق بدمائه، يبكون ولا يدرون حقيقة ما جرى، وألم اليتم الذي سيلازمهم، فيقسمون على أبيهم الشهيد ألا ينام طويلًا، وتصبح بينهم وبين النوم عداوة كالعداوة التي نشأت بينهم وبين قاتل أبيهم؛ فيلحّون عليه «لا تنم هذا النوم يا أبانا ليس لك».

هذا وإن النوم الذي يأتي على شاكلة الفقد والرحيل لا يطلبه أحد، وينكره الخلق لو جاءهم متسللًا، ثم إن الروح التي تطمح للحرية دومًا لا ترجو نومًا كهذا، إنما ترجو دوامًا حتى تعيش هذه اللحظات، ثم إن كل نفس قهرها هذا النوم لا أدعو الله إلا أن يكون بعونها، وأن يمدّها برحمته، ففي وداع الشهيد لن تجد قولًا أتمّ من كلمة «إن هذا النوم ليس لك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد