انهار تحالف دعم الشرعية، أو سينهار قريبًا بشكل تام، كما سينهار المجلس الثوري المصري، وكغيرهما من التحالفات التي يمكن استعمالها لقياس درجة الغباء. سيبقى الوضع كما هو عليه، وسنتقبله تدريجيًّا ويتحول من كونه واقعًا موضعيًّا إلى أن يكون واقعًا ذاتيًا، يتماهى فينا، ونتماهى فيه، ثمّ يتطور خطابنا من كونه انتحاريًّا أصيلاً لأن يكون مازوخيّ.

لا أزعم أن الأمور ستكون هادئة في كل الأحوال، ولا أدّعي أننا لن نتقابل والأحداث الفجائية غير المنطقية. سيتكرر ذلك وكثيرًا، حتى نتعافى من ممارسة الصدمة، ونتعامل مع كل الأمور التي تهيء جوًّا مناسبًا للتفاجؤ بعدم اكتراث تام، رغم أن البعض من أصحاب القضايا المهترئة سيبقون وتبقى قضاياهم؛ لأنها طريقة جيدة لكسب لقمة العيش.
****

الموقف عمومًا يحتاج لتعامل أكثر جذرية. العالم من حولنا الآن لا يجرّب حظوظه الدبلوماسية، ولكنّه يقود ساحات عنف يملؤها البؤس هنا وهناك، ومن لم تكن الحرب على أرضه، فإن أرض الله واسعة، والبشر ضيقون، والخلاص منهم خلاص للبشرية، وبخاصة هؤلاء المهيؤون للموت لأجل قضاياهم.

 

عزيزي، العالم غير جاد لهذه الدرجة، وقضاياك تافهة في الغالب على أقل تقدير، فأنت إن لم تكن ممن لديهم أقارب مقتولون، أو معتقلون، أو مطاردون، فإنك من الآخرين الذين يرقبونهم. يفصل بينك وبينهم انتماء، وطريقة في التعبير عن البؤس، وتفصيلة صغيرة غيّرت شكل دوافعكم نحو الانتحار في كل لحظة ببقائكم جادّين ومتوسمين أي شيء، من عالم جدّيته الوحيدة في كونه لا يتعامل بجدية مع طموحاتك وقضاياك المساعدة في امتلائك بمزيد من الأنوات غير ذات الجدوى.
****

الجميع لا يعبأ إلا بأوهامه الشخصية. الجميع لا يعبأ إلا بالحفاظ على سلامة الصندوق الأسود، وإن عنى ذلك أن نتحمل رجلاً عسكريًّا يتحدّث كامرأةٍ مكبوتة.
****

 

تدير بعض الدويلات حولنا معاركها على أرضٍ بجوارنا. أتحدث عن معارك حقيقية حيث قتلى وجرحى وآثار تدمير، وكما أدارت معركتها السريعة هنا؛ طموحاتها الإمبريالية تصنع لنا نحن السذج قضايا متماسكة للتماهي فيها، والدفاع عنها، وأن تكون شغلنا الشاغل.

 

سنتحدث عنها طويلاً وننقسم، ونشاهد التلفاز وننقسم، ونتابع الجرائد والمواقع الإلكترونية ونكتب المقالات ونعمل، وننقسم، وسنتجاهل، أو سيتجاهل بعضنا ارتباط أنواته بالقضية وينقسم، وننقسم. إنّ الدافع مشوش، والرغبة بلا وجهة.
****

 

يبدو متماسكًا بناء فصل النهاية الذي قرر العالم أن ينهيَ به مسيرته الطويلة. ففي غضون شهور، أو أسابيع فقط تنشأ دول كبيرة، وفي غضون يومين اثنين ينقلب الرجل الذهبي للرئيس (عندنا رجالة زي الدهب) على الرئيس، ثمّ تنكشف خيوط المؤامرة؛ فالرئيس عميل متخابر لصالح جهات نستضيفها ما بين الحين والآخر لأغراض بسط نفوذ لا علاقة بينها وبين قضايا الأمن القومي المتورط فيها رئيسنا، ونحن إذ نبسط نفوذًا، فإنها ليست نفوذنا، ولكنّها نفوذ رعاة الشاة المتطاولين في البنيان، وهذا يا سيدي تعبيرٌ مقدّس، لا يقلّ قداسة عن الدولة.

 

كل رغباتنا ودوافعنا شخصيّة، وبشكل أو بآخر فإن أحدًا منا لا يقوم إلا بما يرغب حقيقةً في القيام به، حتى لو لم يُرد، كالإنسان يبني التاريخ دون أن يدري، وكأغلب ممارستنا وأفعالنا، لا نعلم متى ولا أين ولا لماذا، ولكننا نفعل ونستمر، الإشكال إذًا في المعرفة، والنفس، والجدل، والانسحاق، والرغبة في الاستمرار.

 

إن بعض المعرفة يخلق فوضى قد تمنع التدفق والاستمرارية أمام سطوة الاستقرار وسلطانه.. الاستقرار ذاتيًّا وموضعيًّا.
****

 

وبكل ما فيه؛ العالم ليس جادًا يا عزيزي، بكل حروبه، وبؤسه، ودمه، ومُحن بعض قادته العسكريين. كلها أمور لا تمت لك شخصيًّا بصلة؛ مجموعة لا نهائية من الظروف التي وضعتك في المكان الذي ما كنت لتضوع فيه أيًّا كانت تخيلاتك، وأيًّا كان ما أكتب الآن، وتقرأ أنت. مصيرك هنا اختياري، وكما أن خلاصك فردي، فإن قضاياك فرديةٌ للغاية.

 

أنت وحدك الذي تمت لنفسك بصلة، أنت قضيتك للنهاية، وكل القضايا الأخرى تافهة، فلا تنخرط فيما يخطط الآخرون، بخاصة إذا خططوا للانتحار بطريقة التجربة؛ يقتلونك حتى إذا تأكدوا أن ذلك مميت، أدركوا خطره، وجربوا شيئًا آخر، حيث إن الذين يتبنون مخططات الآخرين، وقضاياهم كثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد