بانتهاء السنة الدراسية (التي كانت صعبة على الجميع هذا العام) وببداية إجازة الصيف، يبدأ معظمنا في البحث عما يقضي وقته فيه، تختلف طرقنا في استغلال الوقت ونختلف في طرق الترويح عن النفس، إلا أننا لا نكاد نختلف على أن للقراءة نصيبًا وحظًا وافرًا من صيفنا.

أبدأ هذا الصيف بالحديث عن كتاب كنت أقرؤه أثناء الامتحانات، وأنهيت آخر خمسين صفحة منه ليلة امتحان المايكرو.
أتحدث هنا عن كتاب ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين. الكتاب في ثلاثة أجزاء مطبوع في المكتبة التوفيقية في مجلدين بمجموع صفحات يقارب الـ1300 صفحة أو يزيد.

أما عن الكاتب، فالأستاذ أحمد أمين مفكر مستقل في اتجاهه الفكري، رأيته محايدًا للغاية في كتابه يحرص على تحري الإنصاف ولو كانوا على خلاف مذهبه ورأيه. كان رحمه الله مدرسًا بكلية الآداب ثم عميدًا لها وشارك في تأسيس مجلة الرسالة وبعض المشاريع الثقافية الأخرى.

وعن موضوع الكتاب – وهو الأمر الذي تميز به هذا الكتاب – فهو حديثه عن التاريخ الفكري والاجتماعي في العصور الإسلامية، يتحدث عن الحياة العقلية والفكرية للعرب قبل الإسلام ثم في العصر الأموي في كتابه فجر الإسلام ثم يتناول العصر العباسي الأول في كتابه ضحى الإسلام، ثم يكمل فيتناول العصر العباسي الثاني إلى العصور المتأخرة في كتابه ظهر الإسلام.

يبدأ في الجزء الأول من كتابنا – ضحى الإسلام – بالحديث عن الحياة الاجتماعية والثقافات المختلفة في العصر العباسي الأول؛ فيتناول طوبوغرافية المجتمع المسلم في ذلك العصر، فيفصل بين الفرس والعرب، يشرح الشعوبية الفارسية ثم التعصب العربي المقابل، يتحدث عن أثر الرقيق في المجتمع، يتناول الفروق الاجتماعية بين طبقات المجتمع، يصف حياة الزندقة واللهو – كما وصفها – وفي المقابل حياة التقشف والزهد.

ثم في الباب الثاني يتحدث عن الثقافات داخل الدولة الإسلامية بعد اتساع الفتوحات، فبدأ بالثقافة الفارسية وتناولها في صورة أشهر المفكرين من أصل فارسي في ذلك العصر وهو ابن المقفع، فتناول أشهر كتبه وآثاره بالنقد وبيان الأسلوب وإيضاح الأساليب الفارسية في كتابته العربية. ثم تناول الثقافة الهندية والرومانية وتأثيرها على الحياة الثقافية في بلاد المسلمين، ثم ختم بالحديث عن الثقافة العربية الأصلية، وتناول كتاب الكامل للمبرد كمثال للروح العربية الأصيلة في الكتابة. ثم ختم الجزء الأول بالحديث عن الأديان التي كانت في بلاد المسلمين، أعني اليهودية والنصرانية وكيف أثرت آثارها في الثقافات والاعتقادات والأساطير التي كان يتحاكاها الناس.

في الجزء الثاني من الكتاب يتناول الأستاذ أحمد أمين نشأة العلوم الدينية والدنيوية. فبدأ بالحديث عن علوم الحديث والتفسير، وتناول التشريع والفقه، ثم وضح موقف الأئمة الأربعة من التشريع. المميز في أسلوب الأستاذ أحمد هو بدؤه بتوضيح إجمالي للموضوع الذي يتناوله ثم يفصل فيه تفصيلًا وافيًا، ففي حديثه عن اللغة كعلم ناشئ مثلًا، بدأ بالحديث عن كيفية نشأة علم اللغة والدوافع التي بعثت على نشأته كعلم، ثم يتحدث عن مدرستي البصرة والكوفة مبينًا تسلسل العلماء فيهما، والاختلافات بينهما، بل وحتى سجالات منتسبيهما وما أُخذ على كل منهما. كذلك في حديثه عن التاريخ والمؤرخين.

ثم خصص الجزء الثالث – وهو أهم جزء في رأيي – للبحث في الفرق الدينية وتاريخهم السياسي وأدبهم. فيبدأ بالحديث عن: لماذا ظهرت هذه الفرق؟ وبين أن السبب الرئيسي لظهور فرقة المعتزلة مثلًا هو رغبة هؤلاء في الرد على الطاعنين في الدين من غير المسلمين والملحدين الذين يستخدمون الفلسفة والكلام والمنطق، والذين لا ينفع معهم ما ينفع مع عامة الناس، ثم بين أنهم تمسكوا بالحرية في التفكير والجرأة فيه فقالوا بالعدل والحرية وقالوا بتوحيد الإله المنزه عن كل النقائص، فحاربوا المجسمة وقالوا بتأويل الصفات بما يتوافق وقولهم بنفي التجسيم.

ثم يتناول القضية الكبرى، قضية خلق القرآن ويفصل في المحنة وينتقد المعتزلة في هذه المحنة فيقول: «فإن نحن تساءلنا: أي الحزبين على الحق؟ قلنا: إن المعتزلة والمأمون وإن كان رأيهم العلمي حقًا وصحيحًا فإن خصومهم على حق ألا تثار هذه المسألة أمام العامة، وقد أخطأ المعتزلة والحكومة خطأين:

الأول: إرادتهم إشراك العامة في هذه المسألة، والعامة أبعد الناس عن ذلك، وكيف يفهمون علم الكلام وهو علم دقيق تاهت فيه عقول الخاصة؟

والخطأ الثاني: حملهم الحكومة أن تتدخل بسلطانها وسيوفها في هذه المسألة فكأنهم أرادوا أن يجعلوا مجالسهم للجدل والمناظرة مجمعًا كمجامع القساوسة يقررون فيها ما يشاؤون، ثم يرغمون الناس على القول بما يقررون، بل زادوا عليهم قسوة وتعذيبًا، وقد دلوا بعملهم هذا على جهلهم بنفسية الشعوب وجهلهم بتاريخ انتشار العقائد، وأشد ما يدعو إلى الغرابة أن يكون مصدر هذا التعذيب والمحنة هم المعتزلة الداعين إلى حرية الفكر والقائلين بسلطة العقل، فكان الظن بهؤلاء التسامح في العقيدة والبعد عن الضغط والتعذيب».

ثم يكمل في حديثه عن الفرق الدينية فيتناول الشيعة وكيفية ظهورهم وتطور عقائدهم تحت القمع إلى ما صاروا إليه اليوم من غنوص فكري واعتقادات قد تصل ببعض فرقهم إلى الكفر، يتحدث عن المرجئة والخوارج، فيتناول ظهورهم وصراعاتهم السياسية مع الدولة وأدبهم.

إن الجهد الذي بذله الأستاذ في البحث والتقصي حول هذه الفرق – خاصة بعد ما لحق آثارهم من حرق وطمس واضطهاد – واستخراجه أدبهم وآراءهم من بطون الكتب الأخرى ومقارنته هذه الكتب بعضها ببعض للوصول لرأي محايد بعيد عن تسلط السلطة وبعيد عن تعاطف المؤيدين الكارهين للسلطة على كل حال، لهو جهد مبارك ونتاجه كتاب أراه مما يبني الفكر ويحفز التبصر في تاريخنا وتمحيص رواياته، كما يحفز البحث عن الرأي الآخر، وهو الغائب في تاريخنا إلى حد كبير للأسف.

هذا فما كان من توفيق وسداد فمن الله، وما كان من خطأ وسهو فمني ومن الشيطان، أسأل الله لكم إجازة طيبة مديدة سعيدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد