لابد وأنك بالفعل قرأت العديد من الموضوعات عن هذا المسلسل الكوميدي الأشهر عبر تاريخ الشاشة الصغيرة، إن لم تكن بالفعل من أكبر متابعيه وعشاقه كأغلب مواليد أواخر السبعينات والثمانينات، وهو واحد من أقوى الأعمال الكوميدية بتصنيف عدد من القنوات والمجلات الفنية في أوائل الألفية، وحصل على عدة جوائز كجائزة “إيمي” و”غولدن غلوب” و”جائزة الكوميديا الأمريكية”.

وكونه حظي بشعبية طاغية في العالم لم يعط الفرصة لتحليل المشاهد لأقوى رسائل حملها المسلسل عبر مواسمه العشرة الناجحة، والأعلى تكلفة إنتاجيًا من حيث الأجور. كما هو معروف، المسلسل يتبع تسلسل حياة الأصدقاء الستة – منهم “روس” وشقيقته “مونيكا” – في إحدى ضواحي نيويورك. ترك كل من أبطال العمل في نفوسنا تأثيرًا لم ولن يمحى.

كل شخصية من شخصيات العمل أثّرت في المشاهد سواء العربي الحالم بالحرية أو الأمريكي الحالم بالمثالية.

ومع تأمل العمل بشكل تحليلي ستجد أن هناك عدة عوامل ساهمت في ترسيخ رسائل هامة سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة وساعدت بشكل كبير في إعادة رسم أو توصيف لأنماط معينة من البشر كانت تحيطها السخرية والتهكم وساعدتهم في تقبل حقيقتهم بمرح ودون تعقيد، منها على سبيل المثال:

“من العادي أن تكون مجنونًا قليلاً”!

1- النباتيون ومحبو البيئة والطبيعة والهيبيون وجدوا أنفسهم في شخصية “فيبي”، الفتاة التي اعتبرها الكل الخروف الأسود في المجموعة بطباعها الغريبة وتاريخها المأساوي في انتحار والدتها بالتبني، ودخول زوج أمها السجن وكونها توأمًا “لأورسولا” الفتاة الشريرة المستغلة غير المكترثة، مما رسخ على مدى طويل مبدأ أن غرابة الأطوار ليست دومًا مكروهة.

“من العادي أن تعشق الماديات طالما أنت شخص طيب بداخلك”!

2- الفتيات الجميلات المدللات اللاتي يعتقدن يقينًا أنهن خلقن ليصرن ملكات وأميرات، وقعن في غرام “ريتشيل” المدللة ابنة الأثرياء التي فرّت ليلة زفافها من ثري آخر، ولجأت لصديقة طفولتها “مونيكا” وكونت حياتها المستقلة؛ لتهرب من عقدة الثرية الجميلة المدللة وكأنها بذلك تقرر اختيارًا صعبًا على الكثير من الفتيات الثريات من محبي الحياة البسيطة، وهو السعادة أم المال؟

“من العادي أن أكون مهووسًا بالتفاصيل الدقيقة”!

3- المهووسون بالانتظام والتدقيق والتفصيل عشقن مونيكا، الطباخة الجميلة التي تعاني من هوس مرضي بالانتظام والتدقيق والتفاصيل – نوع من الوسواس القهري المنتظم وهو من أكثر أنواع الهوس المنتشر في العالم – التي قضت مراهقة تعيسة بوزن زائد وخبرات مهينة، تَعلم عشاقها منها أن الهوس بالنظام ليس بالعيب أو العار بل وتعلموا أن يتباهوا به أسوة بها، علاوة على أهم رسائل شخصيتها هي وشقيقها “روس” وهي أن اليهودي هو شخص عادي جدًا ولطيف ويمكن أن تصادقه بل وتعشقه وليس الصورة النمطية لليهودي البخيل اللئيم الخائف المضطهد.
“إنه من العادي أن تفخر بالساذج الناجح بداخلك”!

4- عشق كل مجتهد دراسيًا “روس” وهاموا به ووجد الكثير من المشاهدين أنفسهم وهم صغار وكبار، فهو الأكاديمي المتفوق النابغ الفاشل عاطفيًا واجتماعيًا، المهووس بشغف العلم في طفولته، العاشق المخلص الذي فشلت زيجته الأولى عندما قررت زوجته أن تنهيها لأنها شاذة جنسيًا! أحب الكل “روس” ذا الجانب الأبله الساذج وجاذبيته التي تغلب عليها الغرابة والسذاجة.
“من العادي أن تضحك على نفسك وتسخر منها”!

5- شاندلر الساخر المضحك المبدع في الكوميديا حتى من نفسه، الفاشل عاطفيًا، الطفل المعقد من أم متحررة وأب شاذ جنسيًا، الأكثر وفاء لصديق عزوبيته جوي وأكثرهم وقوفًا بجانبه. علّم عشاقه كيفية صناعة المزحة الساخرة في أحلك المواقف، عَلّمهم كيف أنه من الممكن أن تفشل مع الجنس الآخر، وتكون مرتاحًا هانئًا بعيدًا عن هموم العلاقات.

“من العادي إظهار الحمق والحساسية”!

6- عندما تذكر جوي العاشق للجنس الآخر والطعام! الغبي الوسيم الذي تنبع أغلب مزحاته من فهم بطيء أو خاطئ، يدفعك دفعًا كي تنتظر سذاجته وطيبته والطفل الكبير بداخله، علمهم التمسك بحلم ما وهو الممثل الفاشل، والعاطل أغلب الوقت دون امتعاض.
ولهذا آثرت جلب جانب تحليلي لنجاح هذا العمل الكوميدي فائق النجاح الذي عشقه أكثر من خمسين مليون مشاهد في كل أنحاء العالم، ومنهم كاتب المقال شخصيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد