هل جمال المرأة وحريتها في خلع الملابس والتكشف والعُري؟! هل كل من ينادي بحقوق المرأة وحريتها ليس أمامه سوى التطاول على الحجاب ومهاجمة المحتشمات، أو اتهام كل من يعارضه بأنه إنسان غير سوي أو مكبوت جنسيًّا أو شاذ أو عديم الرجولة؟!

منذ فترة ظهرت حملة «البسي فستانك» لأحد الصحفيات الراغبات في الشهرة، والتي تحمل لقب «ناشطة» ومهنتها صيدلانية.

تقول في الدفاع عن حملتها: «إنّ الحملة تهدف إلى مواجهة القبح، الّذي استشرى في الشارع المصريّ باختفاء الفساتين منذ فترة السبعينيّات، وحلّت محلّها العباءات السوداء المستوردة من دول الخليج، إضافة إلى ارتداء البنطال كمحاولة من الفتيات إلى الاحتشام ومنع التحرّش بهنّ» وأضافت: «لو قارنّا شكل الشارع المصريّ في الستينيّات وشكله الآن سيتّضح مدى ذلك القبح الّذي انتشر بدعوة التديّن الظاهريّ. إنّ مصر منذ السبعينيّات شهدت ارتداء عدد كبير من السيّدات الحجاب والنّقاب، حتّى تحوّل الأمر إلى التّمييز والعنصريّة وتقييم الفتاة أخلاقيًّا بحسب ما ترتديه» .

ساقني حظي العاثر إلى مناقشة صاحبة هذه الحملة على موقع التواصل الشهير «فيسبوك» عن مضمون حملتها، وأن غياب الثقافة والتحضر عن مجتمعنا حاليًا سيكون سببًا في العُري المبالغ فيه من البنات يقابله تحرش من جانب الشباب، وقلت لها باللفظ: طالما من حق الفتاة أن ترتدي ما تشاء «من وجهة نظر الفتاة طبعًا» فمن حق الشاب المراهق أو المنفلت هو أيضًا أن يفعل بها ما يحلو له «حسب ما يراه ويعتقده الشاب أيضًا» على أساس أن الفتاه تعرض نفسها وتبدي غير المسموح، وذلك نظرًا لغياب الوازع الديني والأخلاقي واختلاف الثقافات ما بين زمن الستينات والقرن الحادي والعشرين، فما كان منها هي وحرافيشها إلا مهاجمتي واتهامي بأبشع الاتهامات، فتارة يتهمونني بالسلفية الجهادية والتخلف والرجعية وتارة أخرى أني مكبوتًا جنسيًّا.

لا أذيع لكم سرًّا حينما أقول لكم إني بعد محاورتها شككت في نفسى فعلاً، واعتقدت أن زمن الاحتشام قد ولى وأنني بحق قد سرت رجعيًا متخلفًا، فسألت أمي وزوجتي، ما رأيكن في بنات الستينات والسبعينات أيام «المينى جيب والجابونيز» وما بين فتيات اليوم مع «البدى واللاجن» أو ما شابه؟ والحمد لله فمع إجابتهما اكتشفت أني رجل شرقي سليم متحضر غير رجعي ولا متخلف، ولا مكبوت جنسيًا، فلقد قالتا لي «أمي وزوجتي»: إن البنات كن يلبسن صحيح الفساتين ويتكشفن، ولكن ليس لهن إغراء واستفزاز بنات اليوم.

هل النساء اللاتي يخالفن صاحبة الحملة هن أيضًا رجعيات ومتخلفات ومكبوتات جنسيًّا؟!

هل هن ليس كباقي النساء أو ليس لهن جمال يردن أن يعرضنه؟! وهل كل النساء المحتشمات الوقورات ليس لهن أنوثة وزينة أم أنهن يخفين خلف الملابس الساترة الفضفاضة جسدًا ذكوريًا؟! لماذا يربط دائمًا الداعون إلى حقوق المرأة على مر العصور ما بين المرأة وسترها وما بين خلع ملابسها والتكشف؟! فمنذ خلع «هدى شعراوي» الحجاب ودهسه بأقدامها في وجود «سعد زغلول» سنة 1921 وحتى الآن تجد علاقه غريبة بين ربط حرية المرأة ومساواتها بالرجل وبين حرية تعريها أو تأخرها إلى أوقات متأخرة ليلاً أو ما إلى ذلك، ما الذي يهدف إليه هؤلاء؟، وبمناسبة ذكر «هدى شعراوي» أحد النساء اللاتي كن سببًا في خراب الأمة، وردًا على الأخت صاحبة حملة «البسي فستانك» والتي ادعت زورًا وبهتانًا أن النساء لم يعرفن الحشمة والحجاب في مصر إلا في زمن السبعينات، إليكم هذه القصة.

كشفت دراسة قام بها المؤرخ السكندري إبراهيم عناني، عضو اتحاد المؤرخين، موقف الزعيمة «هدى شعراوي» من زواج ابنها بمطربة مغمورة تدعى «فاطمة سري»، وأن «محمد ابن هدى شعراوي، تعلق بهذه المغنية ولاحقها بالحب حتى إنها حملت، وعندما أخبرته بحملها بدأ يفكر في الزواج وكتب لها ليطمئنها إقرارًا على نفسه بمسؤوليته عن الجنين وأنه زواج شرعي، وعندما تسرب هذا الخبر إلى مسامع «هدى شعراوي» غضبت وقررت عدم إتمام هذا الزواج، «ناسية أو متناسية دعوتها لحقوق المرأة طالما خالفت أهواءها»، ولم يستطع ابنها أن يواجه أمه فسافر وترك لزوجته خبرًا، مشيرًا إلى أن «محمد أمر خادمه أن يصحبها ويكون طوع أمرها؛ لأنها حامل وعلى وشك الولادة، حتى التقت به في باريس، وهناك سألها عن الإقرار فأنكرت أنها أحضرته، وقتها حذرها (النحاس باشا) أن تسلم الإقرار لأنه دليل صحة موقفها الوحيد، ووضعت فاطمة مولودتها من (محمد علي شعراوي) في اليوم السابع من سبتمبر 1925، وجاءت ملامحها وكأنها صورة زنكوغراف منه تمامًا مثل مطابقة صورة الإقرار للأصل الذي صورته أمها في العاصمة النمساوية بناء على نصيحة (النحاس)».

وأرادت «هدى شعراوي» أن تقدم المال لهذه المرأة حتى تنصرف عن ابنها أو أن تزوجها من أحد معاونيها زواج رسمي، ولم توافق «فاطمة سري» على قبول أي عرض، وتمسكت بالزواج من ابن «هدى شعراوي»، وادعت «هدى» أن هذه البنت لا تمت لابنها بصله «ناسيه أو متناسيه دعوتها لحقوق المرأة طالما خالفت أهواءها» ووصل الأمر إلى القضاء والتهديد بتلفيق قضية دعارة، وانقسم المجتمع، فالبشوات الكبار والأمراء وقفوا بجانب «هدى»، أما الأفندية والباشوات من أصول الفلاحين وقفوا بجوار ابنة الشعب، أما سعد زغلول فحن لأصله وأنذر وتوعد الحكومة بأنه سيطالب بإقالتها لأنه تردد أن هناك ضغوط على القضاء الشرعي لرفض الدعوى، وبعد فحص المستندات وسماع الشهود ومرافعة المحامي «فكري أفندي أباظة» بإثبات نسب الطفلة «ليلى محمد علي شعراوي» لأبيها وإلزامه بكافة الحقوق الشرعية المترتبة على هذا النسب، وبعد مرور عشرين عامًا وبالتحديد في عام 1947 تم تجسيد هذا العمل بفيلم من بطولة أم كلثوم وأنور وجدى يحمل الاسم نفسه «فاطمة».

إذن فمنذ فجر ظهور دعوات تحرر المرأة ومساوتها بالرجل ولم تخل هذه الدعوات من عنصرية أصحابها، والنيل ممن يخالف أهواءهم بشتى الطرق، وساروا على درب زعيمتهم «هدى شعراوي» التي توعدت المرأة التي عارضتها وتحدتها بالسجن، أو تلفيق تهمة الدعارة، وهم أيضًا يتوعدون كل من يعارضهم الآن برفع دعوى قضائية بأنه يدعو إلى التحرش، أو أنه غير سوي ورجعي ومكبوت، استقيموا يرحمكم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد