إبان أحداث ثورة الـ25 من يناير (كانون الثاني) عام 2011م، ركب المصريون سفينة النجاة من براثن الاستبداد، وحكم الفرد الذي امتد قرابة الـ30 عامًا. هذه السفينة التي جنبتهم مآل التحول إلى ما يشبه العقارات والمملوكات، التي يورثها الرجال إلى أبنائهم، لكن السفينة تقاذفتها أمواج عالية، وواجهتها عواصف عاتية، واختلت عجلة القيادة، كما اختل ربانها، الذي عمد إلى منهج التفريق لتحقيق السيادة، وتجنب توحيد الفرقاء لصلاح القيادة، فوضع أمام ناظريه خطة التمكن بعد الإرساء، فضلًا عن التأسيس لمجتمع العدل والبناء.

فتفرق أبناء الوطن الواحد فوق ظهر سفينة التحول، من عصر الاستبداد إلى ما هو مجهول، ووجد رؤساء الأحزاب والجماعات ضالتهم في شحذ أنصارهم بالترغيب تارة، وبالترهيب أخرى، أخذ كلٌ منهم يؤسس لمدينته الفاضلة في عقول أتباعه، فتأسست مدينة لكل جماعة؛ هذه المدن وإن اختلفت في الأفكار والفلسفات التي بنيت عليها، لكنها جميعًا اتفقت على أنه لا كرامة فيها إلا لمن آمن بأفكار مؤسسيها، واتبع منهجهم، فإن بُنيت المدينة على الفجور، فلن يتقبل بها غير المجاهر بفجره، وإن بنيت على السمع والطاعة، فلن يقبل بها غير المبايع على الولاء، بني الجميع تصوراته على أن الوطن حق لهم، ورثوه عن آبائهم، وأن الآخرين ما هم إلا زمرة من الدخلاء، تساهل معهم الأجداد، وكانوا ودعاء معهم، وشملوهم بالعطف، وسمحوا لهم بالمكوث على ضفاف النيل، لكن طال مكوثهم حتى ظنوا -خطأ – أنهم من أبناء هذه الأرض، وأن الوقت قد حان ليعرف كلٌ منهم موطئ قدميه، فإن اهتدى وأذعن تركوه يأكل من خشاش الأرض وهو صاغر، أما إن أبى واستنكر فإما السجن، أو القتل، أو المهجر.

عمدت قيادة السفينة على استخدام التدوير في تقريب الأحزاب والجماعات منها، وإبعادها عنها، وتبادل رؤسائهم الجلوس إلى جوارها، كل وفق دوره المرسوم، ومصيره المحتوم، وكلما قُرِّبت جماعة أعلن الربان أن السفينة ستتجه إلى الشاطئ الذي تقترحه، وأن الجميع سيعيش داخل جدران المدينة التي تنشدها، فينفرُ الآخرون من هذه الجماعة، ويمقتوا الربان، ويتوقفوا عن التجديف، بل قد يشت بعضهم، ويشرع في ثقب السفينة حتى لا تسير في هذا الاتجاه، وتشعر الجماعة المحظية أنها قاب قوسين أو أدنى من مدينته المرجية، فيضاعف شبابهم الجهد في التجديف؛ ليعوضوا جهد المعارضة المفقود، وأيضًا قد يشت بعضهم، ويشرع في إلقاء المعارضين في البحر؛ لكسر شوكتهم.

يظل الوضع هكذا حتى يرى الربان أن السفينة وصلت إلى القدر المنشود في هذا الاتجاه، وقد حان تعديل المسار؛ فيبعد الموالين، ويقرب المعارضين، ويقرر أن السفينة قد أخطأت بوصلتها، وأن السبيل القويم هو ما يحدده المحظيون الجدد، وأن من كانوا يرمون إخوانهم في البحر، كادوا يأخذوننا إلى لقاء حتفنا، فتتبدل الأدوار فجأة بين من يمسكون المجاديف بحماسة، ومن يثقبون السفينة إحباطًا ويأسًا، وأضحى من كان يتخفى في الأركان المظلمة من السفينة؛ خشية أن يُلقى به في البحر، هو من يبحث بحماسة زائدة عن معارضيه؛ ليلقي بهم في البحر.

ساور الشك الجميع، وأصبح إيمانهم بغدٍ أفضل على المحك، وصار الشغل الشاغل لهم هو متى ترسو السفينة؟ بعد أن كان تساؤلهم أين سترسو؟ أخذ الذين ركبوا السفينة عن غير عمد يسألون: فيم ركبنا؟ ومن دعانا للركوب؟ قد كنا نخرج كل يوم مثل العبيد إلى المصانع والحقول لكن نعود إلى البيوت، اليوم غدونا أحرارًا، لكن بغير سبل للنجاة أو النهوض.

أحكمت القيادة وثاقها على شتات المصريين، وأمَّنت التشويش على عقولهم؛ فأضحوا لا يميزون بين الطيب والخبيث، ولا الغث من السمين، واختلطت عليهم المفاهيم، فأصبح رأي الجاهل مسموعًا، وصوت العاقل ممنوعًا، حينها فقط علمت القيادة أنه قد آن أوان إرساء السفينة على المرفأ، الذي حددته مسبقًا، لكنها لم تكن لتُعلِم الناس به منذ البداية، حين كانوا متحدين، ولديهم القدرة على التساؤل، والتشكيك في قرارات القيادة.

رست السفينة على أرض جديدة، وعاد للناس بعض من الأمل، بعد أن مارسوا قدرًا من الديمقراطية، وأسسوا مجلسًا نيابيًّا، وانتخبوا رئيسًا مدنيًّا، ووضعوا للبلاد دستورًا جديدًا، لكن من اعتادوا أن يسيدوا البلاد، ويحكموا قبضتهم على العباد، ما منحوهم هذا الأمل الزائف، إلا تمهيدًا لجعلهم يكفرون بنتائج الإرادة الشعبية، وإعلان خروج الديمقراطية من ملة الحياة السياسية المصرية.

تأججت الصراعات الأيدولوجية بفعل فاعل، أوحى للجميع أنه ظهير لهم، وأنه حليفهم الموثوق حين تقع الواقعة، وظهرت الاستمارة المسمومة التي أذنت لتشكيل صنم آخر غير الذي كفر به المصريون، وحطموه في يناير 2011، لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن ينقلب المصريون على أعقابهم مرة أخرى، ويؤمنوا مجددًا بالحكم السلطوي، وتفويض القوة المسلحة لفض نزاعاتهم السياسية.

خرج لهم رجل في ثوب الوداعة ولين الخطابة، فأسر القلوب التي تمكن منها؛ خشية الملل، وجماعات النهي والأمر، وملك العقول التي طالما أنهكها التفكير في كيفية الارتداد على أهل يناير وثورتهم، تركوا له الثور الأبيض، ليذبح على يديه باعتباره قربانًا للطامعين منهم والحالمين.

لم يكن هذا النبي المرسل – في نظر البعض منهم – أو المخلص الملهم – في نظر أكثرهم – ليصعقهم من البداية، بما يحمل لهم في طيات ضميره، بحث في أدوات من سبقوه من أنبياء الطغيان، فلم يجد أفضل من شبح الإرهاب باعتباره بداية الدعوة للإيمان به، باعتباره بطلًا شعبيًّا، ومنقذًا للبلاد في ظرف تاريخي نادر، كما شَبَّه لهم، لكن في حقيقة الأمر لم يكن الحادث بأمر جديد لا على المصريين، ولا من سبقوهم في ركب التحضر، فالتاريخ شاهد على كل شيء، لكننا لا نقرأ، ولا نتعظ.

آمن المصريون بالرجل، وآمنوا بغد أفضل على يديه بعد أن قرأ لهم آيات التحول الديمقراطي، والوطن الذي يتسع للجميع، وبشرهم بجنات النمو الاقتصادي، والعلو بين الأمم، دفعهم إيمانهم إلى التغاضي عن أيماناته المغلظة بأنه غير طامع بسلطة، ونزلوا ينتخبوه بعد أن طلبها.

لم يشوب هذا الإيمان شائبة تجعلهم يتساءلوا، لماذا تنقضي الآجال دون تحقيق الوعود المرهونة بها؟ لماذا يضيق الوطن على أبنائه بعد أن وعدوا أنه سيتسع للجميع؟ لماذا يقضي الشباب أعمارهم داخل الحبس الاحتياطي بغير وجه حق؟ لماذا نسمع كل يوم عن قتل المشتبه بهم دون القبض عليهم ومحاكمتهم؟! ما أن وقر الإيمان في قلوبهم، حتى بدأ الرجل في المضي قدمًا متبعًا لسنن من سبقوه ظلمًا وطغيانًا، فأثقل كاهل الناس بالضرائب، وقطع الأرزاق، وباع أرضهم، وساوم على مائهم، ونكص شتى وعوده لهم.

هل إيمان البشر مطلقًا؟ قطعًا لا، فقد آمن البشر قديمًا بالأصنام، لكن لم يدم هذا الإيمان حين جاءتهم البينات، وشرعوا في تحطيمها، كذلك هو حال المصريين الآن بعد ان أتاهم من «السيسي» ما يكرهون، هل يستقيم أن يؤمنوا به باعتباره رجلًا يحفظ تراب الوطن وهو الذي فرط في أرض رويت بدماء أبنائهم؟! فانفض عنه من هم بأرضِ الوطن مؤمنين، هل يستقيم أن يؤمنوا به باعتباره رجلًا وعهدهم الرخاء، فإذا بهم إلى أسفل درجاتِ الفقر ينزلون؟! فانفض عنه من هم بقوتِ يومهم يؤمنون، هل يستقيم أن يؤمنوا به باعتباره رجلًا تعهد بتداول سلمي للسلطة، فإذا به يعبد الطريق لبقائه بالحكم سنين؟! فانفض عنه من بحكم الفراعين لا يؤمنون، هل يستقيم أن يؤمنوا به باعتباره رجلًا أعلن رفضه خلط السياسة بما يقدسون فإذا به يخاطبهم بلسان من كانوا يكرهون؟! فانفض عنه من بمدنية الدولة مؤمنون، انفض عنه الجمع، ولم يبق حوله سوى المنافقين!

لقد كفر به المصريون بعد إيمانهم، وإن لساعة تحطيمهم لصنمه لمنتظرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد