دعنا نتفق أولًا أن هذا رأي، ووجهة نظر خاصة، لا تستحق أن تكنّ لي أي ضغينة أو كره بسببها، وأنها رؤية عامة من منظوري الخاص. أنت تولد في وطن كبير، يخبرونك أنك من أفراده، تحمل سماته وصفاته وملامحه، واسمه في بطاقات التعريف الشخصية في خانة الجنسية. تولد في محافظة يخبرونك أنك فرد من أفرادها، مسئول عن نظافتها وجمالها، وتحمل اسمها في بطاقات تعريف الشخصية. تولد في مدينة، أو حي، أو شارع، أو منزل يخبرونك أنك فرد مسئول فيه وعنه؛ عن نظافته وأمنه وجماله، وأيضًا تحمل اسمهما في بطاقات تعريف الشخصية.

أنت تنتمي لتلك الأماكن من اللحظة الأولى التي تولد فيها، وإذا كنت من تلك الطبقة الاعتيادية التي تكره التغيير، وتتطبع بطباع وخصائص أي جماد حيث لا يتحرك من مكانه إلا إذا وجد مسئولًا يحركه، فأنت غالبًا تموت في نفس الأماكن التي تولد فيها، أو تسكنها، أو تعمل بها.

في المدرسة يقولون لك انتبه! هذا وطنك، وأنت جزء منه، ومنتم إليه، لا تخرب، لا تلقِ القمامة في الأماكن العامة، لا تشوه صورة وطنك أمام الأجانب، اجتهد في مذاكرتك حتى تنفع وطنك في الداخل والخارج.

مرورًا بمراحل التعليم بأكملها، أنت تسمع هذه الكلمات بديباجة مختلفة من شخص لآخر، ولكن ما السبب وراء تواجد بلدنا مثلًا -على سبيل المثال وليس الحصر- خارج التصنيف العالمي في التعليم؟ وما الذي يجعل القاهرة من أكثر المدن تلوثًا في العالم؟ سنتطرق لهذا الأمر بعد دقائق، لا تمل، تعال لأحكي لك من منظور ثانٍ.

أنت موظف في قطاع خاص، أو عام-حكومي؛ إذًا دعنا نتحدث همسًا حتى لا يسمعنا مديرك في العمل. مديرك هذا لا يكف عن ترديد أن هناك أزمة مالية في العمل، وأن الأمور لم تعد كما السالف منذ عشرين عامًا، وأن هناك عمالة زائدة على عاتق رئيس العمل، أو المؤسسة، أو صاحب العمل، وأن الشركة قد تُسرح أغلبية العاملين مع بداية الشهر القادم.

تبتلع ريقك في صعوبة، وتجد أن حلقك يكاد أن يكون جافًا، من هول التفكير في ماذا إذا كنت أنت الشخص الذي سيسرح من العمل؟ ماذا عن قسط الغسالة، وإيجار المنزل، ومصاريف كوافيل الأطفال، وأكل القط الشيرازي؟ كل هذا يكون على عاتقك، وبسرعة البرق تتدارك الموقف؛ سأعمل جاهدًا حتى أثبت كفاءتي في العمل، ولكي لا أطرد، فليطرد الجميع، ولكن أنا لا أستحق التشرد في البحث عن عمل آخر.

لا يُضاف على عاتقك سوى محاولات البقاء في العمل الثابت ذي الدخل الثابت -نسبيًا إذا تجاوزنا زيادة السولار والطماطم وارتفاع سعر المانجو- يمر الشهر فتجد أن الأمور كما هي، وأن الأمر لم يصيبك منه شيء؛ فتدرك أحد الأمرين:

1- هذه كانت خدعة من مديرك فقط لانتشار الخبر، وزيادة كفاءة العمال.

2- أن الأمور لم يصيبك منها مكروه، وأنك بأمان، وأنك تستطيع تسديد قسط الغسالة في ميعاده.

أنت مُنتم أيضًا لعملك، كل أصحاب العمل يخبرونك أن المكان مكانك أنت، وأنت من سيساهم في ازدهاره، وأنه كلما زاد دخل المكان ونجاحه زاد أجرك وزادت مكانتك، والأهم هي الخبرة التي ستكتسبها معنا، كلهم يرددون هذا، وهذا صحيح جدًا، صحيح أكثر من اللازم، إذا صح التعبير.

لأن الأمور تتحسن، وأنك ذو ذمة سليمة؛ لا تسرق ولا تحسد ولا تختلس، فيزدهر المكان والإنتاج والمال، صاحب رأس المال يطول كل شيء، وأنت تحمد الله كل شهر أنك تمكنت من قبض راتبك كاملًا، وأن رب العمل تغاضى عن تأخرك عن العمل ساعة في الأسبوع الثاني من الشهر، وأنه لم يخصمها من راتبك، المكان الذي تمكث فيه أطول تثبت فيه قدميك؛ ومن ثم تعجز عن الهرب منه، لذلك أنت تقبل بهذا الوضع الصعب السهل، أنت تخشى المخاطرة فتقتنع بفكرة أنك أصبحت منتميًا لعملك، وأنك لا تستطيع الاستغناء عنه، أنت تعجز عن إيجاد عمل أفضل، وبراتب أعلى؛ لأن المجهود سيكون أكثر، وأنت لا تستطيع أن تتنازل عن ترك مكانتك في عمل أصبحت فيه -معلمًا- كما يقولون، فتقبل ببعض الزيادة التي قد -تُسند الزير- من الفاقة والعوز.

دعنا نعود للوطن، يبدو أنك قد نسيت قصة الوطن، تذكر ما أخبرتك به منذ قليل. تذكرت؟! حسنًا لا يهم، الناس هنا لا تشعر بأن لهم حقوقًا، في الحقيقة لا يشعر بالانتماء، الوطن لا يحتضنك، ولا يزرع فيك ما قد ينبت خيرًا في المستقبل، منذ البداية وأنت تتعلم ما لا يروق لك، لا أحد يروق له أو يهمه «جا، وجتا، وظا، وظتا»! بماذا استفدت بتلك الأشياء، بعد كل سنين التعليم هذه؟ لم يسألني أحد ما قيمة جا؟، أو ماذا يجب أن يحدث عند إضافة الصبغة إلى ورقة عباد الشمس؟

هذا الكلام لا يفيد، أو بالأحرى هو لا يفيد أغلب الطلاب، قليلون من ينجحون في رفع اسم هذا الوطن عاليًا، ويتفاخرون به، ولكن أولئك كان هدفهم في الأساس نجاحهم الشخصي، لا أحد يعيش في مجتمع متوسط، وينسب الفضل إليه، أو لمعاناته وألمه، هذا هراء.

الفقر مؤلم، والجوع مؤلم، وإحساس الاحتياج مؤلم، أخبرني كيف أجوع وأنا في وطني؟ ومن المفترض أنني في أحضان وطني، لستُ مشردًا في أي بلد غيره، كيف أشعر بالإهانة في وطني؟ ومن المفترض أن لا يحدث هذا، وأن يُعاقب المسئولون عن إهانة المواطن في وطنه لهذا الحد. اللحظة التي تدرك فيها أن حقوقك في وطنك مجرد أحلام لن تتحقق لحظة قاسية جدًّا، في وطنك فقير جائع مشرد، لا تحمل قوت غدك أو يومك الحالي، لا تأمن غدر الزمان الغادر بك من الأساس، أنت هنا من المفترض أن تصفق للحكومة بعد كل بيان، وتفخر بالهراء الذي يملأ الآذان، ولكن الحقيقة أن من يفعل ذلك هم أحد الناس الذين لا تهمهم مصالح الوطن في شيء، فيصفقون في حرارة؛ لأن أي قرار قد يضاعف الفجوة بين الفقر والثراء في مصلحتهم؛ لأن كلما زادت ثروة الأغنياء زاد فقر الفقراء، فيتحول الفقر إلي كل شيء حتى يصبح الناس مثل حال وطننا؛ فقراء المشاعر والحس، ووقتها فقط ستجد أن القمامة تملئ الشوارع، والتحرش يملئ الأماكن العامة، والتعليم خارج القائمة العالمية، والكبت الجنسي يؤدي إلى المركز الثاني على مستوى العالم في تصفح المواقع الإباحية؛ لأن كل ما هو يدل على رمز وطنك سيئ؛ لأن الناس أصبحوا لامنتمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد