حتى لا يضيع جهود الذين حاولوا مقاومة تغيير الدستور – المائع- إلى ما هو «أموع» بمشاركتهم في الاستفتاء العائلي وقولهم لا، سأكون موجودًا لمدة مقال كامل لإيضاح بعض السير الذاتية للمجهولين، هؤلاء الذين قاوموا في صورة عائلية في أزمنة أخرى أعداء مراحلهم وطغاتهم الأوائل، بتبيض وجوههم أثناء تلك المقاومة.

في بداية هذا المقال أود أن أوضح أن أكبر الخطايا التي قد يرتكبها ثوري هذا الزمان، هي المشاركة في مثل هذه المناسبات التي تعطي للنظام صورة أفضل للخارج، إذ إن اندفاع الكثيرين جهة اللجان الانتخابة ليس إلا نوعًا من أنواع الإيضاح أن تلك الانتخابات حقيقية، وأن نتيجتها بالفعل تمثل الشعب المصري، ولكن في الحقيقة أن الأمر عكس ذلك تمامًا.

على مر العصور وجدنا من بين صفوف المعارضة ذلك المعارض المؤمن بشفافية خصمه، وأن هناك طريقة دائمًا بالتفاوض والمناقشة لتسوية الأمر، مثل المحادثة العابرة التي تخبر فيها الزوجة زوجها بأن يطلق زوجته الأخرى، وبكل أريحية ينفذ الزوج رغبة زوجته فقط لأنها تحدثت معه وعبرت عن رأيها الخاص، وهؤلاء الذين كانوا طيلة الفترات الوسطى ما بين مراحلنا التاريخية، هم المعارضة الصورية.

ربما عبرت على مسامع بعض القراء مسمى المعارضة الصورية، تلك التي تحدث البعض عنها، وكتب البعض عنها في جرائدنا، هي معارضة لا تعارض بأوامر مباشرة من أجهزة أمنية، أو في محاولة لدعم النظام، هي معارضة حقيقية تعارض النظام ولكن لا تملك أي قوة لمعارضة هذا النظام بشكل إيجابي، هي فقط تُذكر في المعارك السياسية إذ اقترحنا ذكر المعارك السياسية في أي مناسبة أو أمسية، ولكن إن ذكرنا الانتصارات نجد تلك المعارضة بالكاد تنتصر بفرصة بقائها على الساحة فقط.

أمثال هؤلاء كان الإخوان المسلمون في برلمان 2005 في مصر، الذي شهد وجود الإسلاميين من الإخوان والسلفية، وهؤلاء الذين كانوا يشاركون في الجلسات، ويستمرون في تقديم عروض المعارضة بشكل منتظم، وظلوا في تلك المرحلة لسنوات طويلة، حتى إنهم في الانتخابات التالية لم يحصدوا العدد نفسه من كراسي مجلس الشعب، ولكنهم في النهاية كانوا يحسنون صورة محمد حسني مبارك في الخارج، الزعيم الذي ترك معارضيه يتحدثون.

بالعودة في التاريخ المُظلم للمعارضة الصورية في مصر، نجد أن أول تلك المعارضة الصورية تأتي في صورة البرلمانات والتشكيلات النقابية والسياسية، في الفترات ما بين الثورات والحركات الميدانية، مثل ما بين سنة 1923 إلى سنة 1952، أو مثلما الفترة ما بين 1881 إلى سنة 1919، كل تلك السنوات نجد شخصيات كانت تحتسب على المعارضة، وكتابات لمشايخ وشخصيات عامة تنتقد بشكل مستمر الاحتلال والملك، والخديوي والحكومات، وسطوة الإقطاع، ومساوئ السخرة، ولكن تظل كل تلك الأشياء، وتستكمل مسيرتها وتتوراثها الأجيال.

والسؤال ها هنا لماذا سيرث أبناؤنا نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، بل غيره من الأنظمة، إن كان نظام محمد مرسي أو نظام حسني مبارك؟ الإجابة هو أن القنوات التي تتحدث من خلالها المعارضة الصورية هي قنوات نشأت وترعرعت بين يدي السلطة السيسية، أو المرسية، أو المباركية، هي مجموعة من آلات التعبير التي يأمن عيشها هؤلاء بشكل أو بآخر، سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، مثل أنك ربما تضع الطوق حول رقبة الكلب، والسلسلة نهايتها في يديك، أو أنك تضع السلسلة حول رقبة الشخص الذي يضع السلسلة حول الكلب! في كل الحالات أنت الذي يوجه المراكب، والذي في يديه مقولة «المراكب السايرة»، ويعرف جيدًا كيف يعطلها ويسيرها، فإذا كان معارضك هو من آكلي زاد مراكبك، وأحد الكلاب المطوقة، كيف له أن يكون ذا أثر عليك!

إن المحاولة المستمرة لإيجاد حوار على مائدة لا نملك فيها شيئًا هي محاولة عبثية لإمضاء أوقاتنا في حرقة الدم، وهؤلاء الذين حاولوا في الأيام الفائتة المشاركة في الانتخابات لكي يصنعوا تلك النسبة الوهمية من الذين قالوا لا للتعديلات الدستورية، هم مجموعة من الحمقى المتفائلين، الذي يجهلون مدى ضعف موقفهم، وحقارة دورهم في مسرحية بطلها الوحيد لا يرغب في سماع آراء الناس إلا في خانة واحدة، خانة أن الجميع يوافق على رأيه الشخصي.

الديكتاتور بشكل صريح هو شخص يعلم ما قيمة الحرية، ومدى جمال المجتمعات الحرة، ويجد أن أفضل السبل وأكثرها راحة له أن يجعل للناس كامل الحرية والحق في التعبير عن مدى صحة ورجاحة قراراته، بل يزرع فيهم كل يوم ذاك الشعور بأنه لن يرحل أبدًا، وأن الحديث عن مدى جدوى ونفع ما يمليه علينا كل يوم، بل إننا في أحد المراحل سنصل إلى أن الديكتاتور سيملينا ما يجب أن نقوله كل صباح، ولا عجب أن في عصور أخرى في مصرنا الحبيب وصل ببعض الديكتاتورات إلى أنهم الإله والخالق.

فقط للتذكير، من كان يقتل المسيحيين وأُطلق عليهم في عصره «عضمة زرقاء»، الحاكم بأمر الله الذي لن يكف التاريخ عن ذكر اسمه كقاتل عنصري ومختل عقليًّا، كان لديه من ضمن رجاله المناصرين له رجل دين من الذين كان يضطهدهم، وربما أعطاه كل ما طالب به، ولكن هل أعطاه في أي وقت الأمان لأبناء دينه؟ ولذلك عزائي لهؤلاء الذين ظنوا بقولهم لا أن الأمور قد تُرجح لهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد