لا أعتبر أردوغان محسوبًا على الإسلاميين، وبالمقابل هو غير علماني بتاتًا وإن تصنف الحزب في الجمهورية التركية بأنه حزب علماني وفق ما أسست عليه بعد سقوط الخلافة العثمانية، وفي الاقتصاد فالليبرالية الاقتصادية منهج العدالة والتنمية؛ مع رأسمالية تسير نحو التوحش الأوروبي الأمريكي والتسلع الكبير، ولكن يبقى «أردوغان» المحافظ المعتدل في النظرية السياسية.

لا يحبه الأمريكيون ولكنهم مضطرون للتعامل مع شخص ذكي وقوي في منطقة أقل ما يقال عنها خرابٌ بخراب، وجعل الأوروبيين يزحفون له بشكل شبه يومي من أجل قضية اللاجئين وإن كانوا يضمرون له كل سوء وشر، كان غالبية العرب يكيدون له، ولكن قيادة السعودية الجديدة غيّرت كل المخططات لوقف الزحف الإيراني نحو العرش ومنابع النفط ولتهديدها غالبية مصالح الخليج، خصوصًا بعد توقيع الاتفاق النووي مع الغرب.

برأيي هو وحزبه «العدالة والتنمية» تيار جديد يقف في الوسط وقد يرضي أطرافًا كثيرة في حين أنّ أعداءه أكثر، ويستخدم شعرة معاوية كثيرًا في حروبه السياسية والعسكرية.

يوجد في حزب العدالة والتنمية كل التوجهات على اختلاف الأحزاب الأخرى، بدءًا من الإخوان المسلمين كقاعدة لا يستهان بها، مرورًا بالإسلاميين الديمقراطيين، حتى الليبراليين والعلمانيين ببعض من اليسار، كما يوجد في الحزب «علويون» وأكراد من كل طوائفهم، ما يعني أنّ الحزب هو تركيا مصغرة بشكل أو بآخر، ويمكن ذكر عدد من انشق عن مختلف الأحزب وعلى رأسهم الشعب الجمهوري وانضم للعدالة، وبمعلومة هامشية للعدالة والتنمية 40 نائبًا كرديًّا في البرلمان.

كل يوم يثبت «السلطان الجديد» وإن كان بزعمي أذكى بكثير من سلاطين عثمانيين حكموا تلك السلطنة الأكبر على مر التاريخ، بقوتها العسكرية الضاربة في يوم من الأيام وبيارقها المنتشرة في أصقاع الأرض، وأكثر دهاءً وعبقرية من الناحية الاقتصادية، ومعه أستاذ خبيرٌ في السياسة هو البروفسور أحمد داود أوغلو صاحب العمق الإستراتيجي وفكرة تصفير الأعداء. كما أنّ الرجل وصل إلى الحكم باجتهاد حثيث وتعب مضنٍ فيما وصل أغلب السلاطين بصدفة النسب ولمعان السيوف ودهاء النساء وإخماد الفتن.

عندما يدخل السلطان في معتركات سياسية يظهر دومًا بمظهر القوي والمنتصر، ربما للكاريزما والحضور وإثبات الوجود الدائم وملاحقة كل القضايا والحديث عنها في كل فرصة سبب مضاف لذلك.

في القمة الأخيرة التي جرت في إسطنبول ظهر الطيب بأنه الأقوى وصاحب الدار وممثل الكل، ويصافح من يريد ويتجنب من يريد أيضًا، خصوصًا عندما لم يدعُ رأس الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي ليأتي سامح شكري وزير خارجيته ولا يجتمع بأردوغان أبدًا!

هنا ملعبه وساحته، فقد عودنا أردوغان منذ ذاع صيته خصوصًا بعد الربيع العربي كاعتبارها قضية مركزية وإن كان قبل ذلك محبوب جماهير كثيرة، خصوصًا أثناء انسحابه من مؤتمر دافوس، عدم دوسه على علم بلاده، اهتمام وكالة الأناضول بفلسطين بشكل كبير وملفت باعتبارها قضية أساسية لتركيا حكومة وشعبًا يمكنك أن تعرف سبب جماهيرية الرجل، لستُ هنا بمكان المدافع عن الرجل أبدًا، ولستُ ممن يقدسون الأشخاص على حساب المبدأ والأخلاق، ولكن كلما ازداد النقد على شخص فهو بين وجهين يغلب فيهما خيرٌ أو شر.

أرى من أسوأ ما تحدث به أردوغان هي عبارة المهاجرين والأنصار، فنحن لسنا كذلك وهم على الصعيد ذاته، مشكلة الإسلاميين هي استرداد أحداث تاريخية بشكل مزعج أحيانًا ومخالف للتطبيق، هنا نحن أمام مشكلة أخلاقية إن لم نشكر الأتراك على حسن استقبالهم لنا، ولكن في المقابل أصبحنا سلعة انتخابية تارةً، و«شنغن» لدخول أوروبا تارةً أخرى، وأنت في وجه المدفع مع كل تفجير أو حادثة تقع في أي مكان من الجمهورية التركية؛ بوصفك سوريًّا طبعًا، هنا تُنسى عبارات الضيوف، والمهاجرين والأنصار. فغاية المنى أن نعامل باعتبارنا لاجئين خصوصًا إن أجرينا مقارنة بسيطة مع حقوق اللاجئ في أوروبا وحقوقه في تركيا. وهو مأخذ ليس بالعادي والسهل ويحسب على رأس الدولة قبل غيره.

أنا مقتنع تمامًا أنّ للسلطة ضريبتها القاسية، وأنّ السوريين قد أحدثوا أزمة اقتصادية في الليرة التركية التي فقدت أكثر من 40% من قيمتها بعد 2012 حتى اليوم، ولكن الأمر لا يتعلق بالسوريين فقط؛ فأحداث العراق وظهور داعش والحرب مع الأكراد والجهاز الموازي التابع لفتح الله غولن كلها ملفات لها أثرها الكبير، وربما يفوق ملفنا بأضعاف إن أجرينا حسبة تناسبية للضرر، وأنّ الإنسان مهما فعل لن يرضي الجميع، لكن لا ينكر أحد أنّ أردوغان يعمل لمصلحة بلده ما كلنا يتمناه لبلادنا وينمي فيها وإن كان المشوار في بدايته بزعمي، ولكن نتمنى محبةً له ولتركيا أن لا تكون على حساب شعب منهوب ومقتول، مسروق ومهجر، مشرد وممزق.

يطالب الطيب بدخول تركيا لمجلس الأمن باعتبارها دولة صاحبة فيتو ولها قرار وممثلًا للأمة الإسلامية التي تتجاوز المليار و300 مليون حول العالم، وهو يعلم ضمنيًا أنّه مجرد كلام لن يتحقق ولكنّه يثير ملايين المسلمين حول العالم، ويجعلهم أكثر التفافًا ومحبة لتركيا التي يمثلها أردوغان والذي سيكتب في تاريخهم صفحات بيضاء كثيرة فيه.

دومًا ما حاول الإسلاميون أو المحافظون الجدد أن يحملوا في خطاباتهم ما يشعر المسلمين بالعزة فيما كان يحكمهم المجانين والمرضى النفسيون ومن لا يجيدون نطق عبارة عربية بلا أخطاء ولعثمة، وقد كان يومًا الخطاب القومي الناصري بالأخص يحمل تلك الشعارات المزيفة حول محاربة الإمبريالية وضرورة وحدة الأمة والسير نحو العدو الصهيوني لإبادته، فيما كانت مجرد كلمات جوفاء فارغة لا طعم لها بعد نكسة 67 واجتياح 82 ناهيك عن انكشاف كل شيء بعد الثورات العربية وخصوصًا السورية المجاز والأعظم.

يمكننا أن نقول إنّ أردوغان ملك الساحة إسلاميًا وعربيًا اليوم، ويأتي بعده سلمان ثم تميم من ناحية الحضور والمواقف ولعب الأدوار السياسية الدقيقة، والتدخل في شؤون إقليمية قد تزيد الصراع ولكنها عوائق في وجه الروس والإيرانيين وغيرهم من الدول الأخرى.

ولكن يبقى السؤال، عندما يطالب رئيس مثل الطيب بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية ألا يعترف بإسرائيل شرعيًا بحدود 67 وكأن تلك الأراضي المحتلة هي أراضٍ مشروعة للصهاينة اليهود، أم أنّ لكل شيء حدًّا مرسومًا يجب الوقوف عنده لكي نبقى أو فالرحيل أو الاغتيال أو الإقصاء مآلنا. الجواب هناك في «تل الربيع» قرب حيفا أو في إيباك قرب الكونغرس! ما يعني أنّ السياسة هي فن الممكن والممكن لنا هو جزءٌ بسيط من الحرية الإسلامية سياسيًا، أو كذب ودجل كما يفعل أرباب المقاومة والممانعة على مدار نصف قرن وهم أساتذة الخيانة.

ما يعني أنّ الوصول للسلطة وتغيير ما يمكن تغييره ضمن الخطوط الحمراء الكبرى أفضل من البقاء في السجون أو الجبال، أو أن نبقى نمارس شعائرنا في مجمع أبو النور أو الفتح أو الأزهر، وكأن طفلًا لا يموت في جوبر، أو لنرشح أنفسنا لمجلس الشعب ونتبرع بالدم للجيش السوري البطل وكأن حلب لا تُرمى بالبراميل المتفجرة، أو لنقف مع العسكر في الحرب على الناس في الشوارع اتباعًا لفقه التغلب المشوه، أو لنسمع لكلمات المقدسي أو الفلسطيني أو أبو فراس السوري في طريقة تكفير أسلس وأنجع للأمة الإسلامية.

أردوغان رجل المرحلة شئنا أم أبينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أردوغان
عرض التعليقات
تحميل المزيد