لعله ليس من باب الصدفة التشابه الكبير بين كلمتي: فكر وكفر، وكأن الفكر إذا ما انحرف يقود إلى الكفر. وهذا صحيح بل شبه حتمي، فما أكثر الذين سقطوا في حمآت الكفر لأنهم سمحوا لفكرهم بأن يجمح ويشتط، ويتعدى الخطوط التي لا ينبغي أن يتجاوزها. في القرآن الكريم، ربما وردت كلمة «فكر» باشتقاقاتها ثماني عشرة مرة، وهي ترد عادةً في سياق الحث على التفكير وانتقاد وتوبيخ التنابل الذين لا يفكرون، فيفضي بهم تجميد أدمغتهم إلى الضلال. أما إذا ما أخذنا الآيات التي تحمل معنى مرادفًا للتفكير والحث عليه في القرآن الكريم، فإننا نتحدث عن مئات الآيات. وهذا ينفي تلك الشبهة الساقطة التي تدعي أن الإسلام ضد العقل وضد العلم. فدين يحض أصحابه على التفكير مرارًا وتكرارًا، وكانت كلمة «اقرأ» أول ما نزل من الوحي فيه، لا يمكن أن يكون دينًا معاديًا للعقل والعلم والتفكير.

ولكن الإسلام، وبوصفه آخر الرسالات السماوية وأشملها، جاء ليضع للبشر حدودًا نهائية ثابتة، ويقدم لهم إجابات واضحة تريح قلوبهم وتنقذ عقولهم المحدودة القدرات والاستيعاب من الزلل والانحراف. فالعقل البشري، مهما بلغت قدراته، هو عاجز كما نعلم جميعًا عن إدراك كنه الكثير من الظواهر والأمور، وأقربها إلينا الروح، فكيف بإدراك كنه من خلق الروح! والنفس الإنسانية أمارة بالسوء وميالة للهوى والجدل، وقد تورد صاحبها موارد التهلكة، والشيطان اللعين يقف متأهبًا دائمًا لانتهاز أدنى فرصة للانقضاض على عقل الإنسان والعبث فيه، إذا ما سمح المرء لنفسه بإطلاق العنان للتساؤلات الخرقاء والشكوك الحمقاء. وهذا الكلام حتمًا ليس من أجل الدعوة إلى التوقف عن التفكير وعن طرح الأسئلة، ولكنه دعوة إلى الرشد والتبصر في ذلك. فحسن السؤال هو نصف الإجابة كما يقال، أما السؤال العبثي، الذي يتجاهل ما استقر عليه قول جمهور أهل العلم، فمضيعة للوقت والجهد، وتشتيت للذهن، وتشكيك للقلب، وإقلاق للروح دون طائل أو جدوى.

إن أسئلة البعض اليوم توحي بأنهم يظنون وكأننا ما نزال نعيش أيام قريش في الجاهلية قبل مجيء الإسلام بآخر رسالاته مع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. فهم يطرحون ذات الأسئلة التي كان يطرحها أبو جهل وأترابه، وكأنهم لا يدركون بأن هناك وحيًا قد نزل، وأن القرآن والحديث قد أجابا عن تلك الأسئلة وانتهى الأمر. إنهم يتصرفون كما لو كانوا ينتظرون نزول وحي جديد، أو إرسال نبي جديد لهم، يُعلّمهم ما سبق وانتهى الإسلام من تعليمه وحسمه قبل أكثر من 1400 سنة!

فكل تلك التساؤلات من قبيل الاستفهام عن الحكمة من إيجاد الحياة وخلق الإنسان، واقترافه الشر ومعاناته في هذه الحياة، والخيارات المطروحة أمامه، ومصيره في الآخرة، وما هو حلال وما هو حرام… إلخ، هي تساؤلات تمت الإجابة عنها بوضوح في كتاب الله وسنة نبيه. وليس على المرء إلا أن يعود إلى ذلك الكتاب وتلك السنة، بدلًا من أن يغرق كالتائه في محيط مظلم من القلق والتخبط والضياع، ويخاطر بأن يكون مصيره النار في الآخرة، بالإضافة إلى شقائه الدنيوي.

لكن الضلال يبلغ بالبعض درجة طرح أسئلة جديدة، مغرقة في العبثية والتفاهة والخبث. ومن يفعل ذلك فهو واحد من ثلاثة:

إما ساذج جاهل إمعة يردد كالببغاء مقولات قرأها على موقع ما من المواقع المنحرفة التي تحارب الدين. أو كافر منافق لا يسعى إلا إلى البلبلة وزعزعة ثقة الجهلة والسذج بعقيدتهم حتى ينصرفوا عنها. أو دعيّ أفاق اغتر بعقله، ويبحث عن الشهرة والاستعراض وادعاء التميز، بمناقشة مسائل يضر الخوض فيها أكثر مما ينفع، ضمن إطار من التحذلق والتفلسف واستخدام المفاهيم الفلسفية المقعرة المعقدة!

إن العقل مناط التكليف في الإسلام، أي أن من يملك مستوى عاديًا من القدرات العقلية، وهو ليس بالمجنون أو المعتوه، يتحمل تمامًا مسؤولية ما يتخذه من أفكار وقناعات وقرارات واختيارات، وادعاء الجهل أو السذاجة لا يسقط عنه المسؤولية والحساب. لذلك؛ فإن على المرء أن يكون في منتهى الحرص والجدية عندما يتعلق الأمر بتحديد قناعاته الدينية. فكلمة واحدة قد يقولها المسلم من سخط الله، وهو لا يلقي لها بالًا تهوي به في الجحيم، فكيف بمن يتبنى أفكارًا تخرجه من دائرة الإيمان كليًّا، كذاك الذي يطعن مثلًا في السنة المشرفة ولا يتردد في نسف الأحاديث النبوية الصحيحة!

إن من واجب المسلم الواعي الحريص على دينه حقًّا أن يدرك أن هناك حربًا دولية شرسة، حقيقية وليست متوهمة أو مضخمة، تستهدف سحق الإسلام الصحيح واستبداله بدين جديد مائع مختلق يرضى الغرب عنه، يشارك فيها الملايين من شياطين الجن والإنس، كثير منهم يحمل أسماء إسلامية. ترديد مقولات أولئك الشياطين وإعادة طرح تساؤلاتهم التي من شأنها التشكيك في الإسلام، دون بذل جهد جدي ومخلص لإيجاد الإجابات من المصادر الإسلامية الأصيلة المختصة، تجعل من المرء، مهما حسنت نواياه، جنديًّا في تلك الحرب ووقودًا لها، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه!

ومن الأسلحة الأساسية التي يتم استخدامها في تلك الحرب، ولا بد من التنويه لها في هذا السياق، المناهج التحليلية الحداثية والما بعد الحداثية التي طورها الغرب في سياق حربه مع الدين، ومع كل ما هو مقدس. فقد أوجد الغرب مناهج استخدمها للتعامل مع «الكتاب المقدس»، على اعتبار أنه مجرد نص بشري تاريخي قابل لتحليله وتفكيكه وإعادة بنائه، والتوسع في قراءته وتأويله ما شاء القارئ أن يفعل، حسب فهمه ومعارفه وخبراته وذائقته وإحساسه. وإذا كان توظيف تلك المناهج ممكنًا وجائزًا فيما يتعلق ببعض الكتب الدينية التي ثبت تحريفها، بإجماع علماء الأديان المحايدين حول العالم، فإنه لا يجوز ولا يحلّ بحال من الأحوال فيما يتصل بالقرآن الكريم. فالقرآن هو كلام الله المعجز، وهو أعظم وأسمى وأجلّ من أن يصبح مادةً للعبث والإخضاع لتأويلات جديدة جزافية متعسفة على المزاج. فالقرآن، متبوعًا ومدعومًا بالأحاديث النبوية وبفهم كبار علماء الصحابة والتابعين، حسم لنا الكثير من المسائل بصورة قطعية لا مجال لإعادة النظر فيها، وفي مقدمتها تلك المتعلقة بالعقيدة، وبالحلال والحرام، وبالأوامر والنواهي. وهالك هو من ينبري اليوم، تحت أية ذريعة، للتنطع وفتح النقاش في تلك المسائل، مثل أولئك الذين يحاولون تهميش السنة وفصلها عن القرآن، أو أولئك الذين يعمدون إلى إنكار الحجاب والزعم بأن القرآن لم يتحدث عنه أو يأمر به، أو أولئك الذين يريدون تحليل الخمر بذريعة عدم ورود نص حرفي يستخدم كلمة التحريم لتحريمه… إلخ.

قبل أن يرحل نبينا عليه الصلاة والسلام عن هذه الدنيا، نزل قول الله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا». ولم يرحل عنها قبل أن يقول: «تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي». فالإسلام، بعقيدته وشرائعه وأحكامه اكتمل تمامًا قبل أربعة عشر قرنًا، وهو لا يحتاج حتمًا إلى من يضيف إليه أو يعدله أو يصوبه أو يقدم له فهمًا جديدًا، إلا إذا كانت النية من وراء ذلك اختلاق إسلام جديد!

حتى يضمن المرء سلامة عقيدته، ولا يتورط فيما لا تحمد عقباه، عليه أن يحذر أشد الحذر ويتبرأ من إفك كل الذين يخوضون في القرآن والسنة بما يخالف ما أجمع عليه جمهور السلف من أهل العلم، وبخاصة إذا كانوا من غير المختصين في الشريعة، أو من خريجي الجامعات الغربية أو من فقهاء السلطان المرتزقة، مهما كان مضمون اللافتات التي يرفعونها، سواء أكانت تجديد الفكر الديني، أو إعادة قراءة النص الديني أو نقده أو تنقيته… إلخ. فكلها لافتات وشعارات مضللة مشبوهة، لا تهدف في جوهرها إلا إلى الطعن في الإسلام وتشويهه، وإعادة صياغته بصورة تنسجم مع إملاءات الغرب وتوجهات التيارات العلمانية المنحرفة التي تدور في فلكه.

وقد يحتج محتج فيقول: ولكن هذا الكلام يعني غلق باب الاجتهاد. هذا ليس صحيحًا بالطبع، فالاجتهاد مهم وضروري، ولكن للاجتهاد أهله من كبار العلماء المختصين، الذين تتوافر فيهم شروط الاجتهاد الصارمة، ولا ينبغي أن يُترك نهبًا سائبًا للجهلة والمنافقين والمتطفلين على العلم الشرعي، وتلاميذ المستشرقين الضالين المضلين. كما أن الاجتهاد ممكن في الأمور الفرعية الجزئية فحسب، التي لم يرد فيها نصوص قاطعة الدلالة، وليس في الثوابت والأسس المستقرة الراسخة التي يقوم الدين عليها، كزعم بعض الجهلة مثلًا أن الأحاديث النبوية ليست ملزمة للمسلم في شيء!

لقد جاء في القرآن الكريم قول الله تعالى: «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»، في إشارة إلى النهي عن الكلام بغير علم والاعتماد على الظن والشكوك. ولم يُهلك اليهود من قبل إلا كثرة القيل والقال والسؤال والجدال. وكثير من الفرق الضالة التي عرفها التاريخ الإسلامي ضلت لأنها تورطت بإقحام أنفها في تساؤلات عقيمة استقتها من أديان وفلسفات وثنية. فآخر ما يحتاجه المسلم اليوم، والمجتمع الإسلامي عمومًا، الغارق في الفتن المهلكة، هو الانزلاق إلى المزيد من دوامات التساؤلات والنقاشات والمماحكات الفلسفية العبثية السفسطائية، التي تدخل في أحسن الأحوال في باب العلم الذي لا ينفع، الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ منه، هذا إن لم تقد المنغمسين فيها إلى الكفر والهرطقة والطعن في ثوابت دينهم. فالحذر الحذر!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد