«إنَّّ جريمة الفكر لا تفضي إلى الموت، إنها الموت نفسه!» هذا ماقاله جورج أورويل في روايته «1984» التي تعد من أشهر الكتب الديستوبية Dystopia والأكثر تاثيرًا في العالم، وهي نوع من الأدب الخيالي التي عادة ما تصور مجتمعات مستقبلية سيئة بغرض تسليط الضوء على قضايا سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو دينية، أو فلسفية.

تلك العبارة الشهيرة لأورويل اقتضت أن تكون افتتاحية لهذا المقال الذي أقتبس عنوانه من هذه الجوهرة الأدبية وهي «جريمة الفكر»،
ولعل هذه الجريمة تتجلى في نماذج لشخصيات فلسطينية التي حكم بإعدامها بالمسمى ذاته.

فحينما جرى تحذير رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي من تجاوزالخطوط الحمراء. استفز وقال: «بلا خطوط حمر.. بلا خضر.. بلا(.. ) شو بدهم؟ يطخوني؟! ولك شو بتسوى هالعيشة؟! ولك لوين رايحين فينا؟!
هنا الرد كان بمثابة دفاع ولا اكثراث من تلك التهديدات التي وقعت عليه؛ نتيحة ما يحمله من فكر يتنافى مع نظام ينتقده العلي نقدًا يكشف عوراتهم للعامة.

فأكثر ما تميز به ناجي العلي غزارة الإنتاج والقدرة الفائقة على متابعة الأحداث السياسية، وجرائم الاحتلال الصهيوني، والتقاط المفارقات وترجمتها إلى رسومات كاريكاتيرية بأسلوب بسيط وواضح، بعيدًا عن التعقيد، وبفكره استطاع أن يثبت حقيقة معرفة المثقف الحر عدم قدرته على الانصياع لأي سلطة، وأن من أول واجباته الوطنية القومية نقد السلطة والأنظمة العربية
كان ناجي يدرك جيدًا الثمن المحتوم، وعرف أنه سيدفعه عاجلًا أم آجلًا بتمهمة الفكرة التي هي خارج سياق الأنظمة التي انتقدها في لحظة ما، ومع هذا لم يكن هناك ما يدل على خوفه من دفع الثمن، لذا دائمًا ما نجد أن أصحاب الفكر والثقافة الحرة في حالة صدام دائم مع «السلطة»، فالإبداع يندلع فقط في غياب القيود عليها، وفي جميع الأحوال ترفض السلطة أن تقبل بهذه الحقيقة؛ وينتهي بها المطاف لدخول الصدام الذي يتجلى بنهاية المُفكر بمختلف اختصاصه ووسيلة نقده ضد الفساد، بتمهة الاجرام الفكري، وبصمت يبتلعه قرش النظام.

وعلَّنا جميعًا نعلم جيدًا كيف اعدمت السياسية الإسرائيلية على يد الموساد دفاتر الروائي والصحفي غسان كنفاني الفارغة، في حين نجت دفاتره التي خطت بحبر الثورة، والتي لا تعرف سوى حكاية الحق المسلوب وكيف استرق الاحتلال شجر البرتقال الحزين، وحكايات أم سعد التي ما هي إلا تجسيد للأم الفلسطينية المقهورة.

اغتيل غسان كنفاني كما رفيقه ناجي العلي بالتهمة ذاتها وللأسباب نفسها التي ما زالت تخفي الكثير من المثقفين المعارضين لظلم الأنظمة وراء الشمس.
كانت جريمة الكنفاني هي الإيمان بأن دويلة اليهود ينبغي أن تزول من الوجود، ولا يجب أن تبقى، وهذا ما كانت تُخبرنا به رواياته ومقالاته على الدوام.

تحت مسمى جريمة الفكر مارس الاحتلال قرارات ظالمة تجاه الأقلام وأصحاب الفكر المعارض من الفلسطينيين، وعلنا نتذكر جيدًا حين أصدر قرار عن رئيسية الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير، في مطلع عام 1972، بتصفية عدد من أعلام الفلسطينيين وقياداتهم، وهي القائمة التي أعدها تسفى زامير، رئيس الموساد في ذلك الوقت، وضمت أسماء مثل وديع حداد، وكمال عدوان، وكمال ناصر، وأبو يوسف النجار، وبسام أبو شريف، وأنيس الصايغ مدير مركز الأبحاث الفلسطيني آنذاك، بالإضافة لاسم الكاتب والصحافى غسان كنفاني، وامتدت فترة القتل سنة كاملة. وجميع هذه الشخصيات كانت تحمل سلاحًا ثقافيًّا ومعدنيًّا كان يقف كالشوكة في حلق السياسة الإسرائيلة لأنها تعي جيدًا خطر رصاصة القلم لو أمسك به فلسطيني يناضل لأجل زوالهم.

الفكرة جريمة إن كانت تهدد نظامًا سياسيًّا وحكمًا سلطويًّا متغطرسًا وصاحبها يحكم بالهلاك الأبدي.

هذا ما نتج على صعيد الرأي السياسي ضد نظام سياسي محتل.
فماذا هي نتيجة الرأي السياسي الناقد لنظام سياسي تكنف تحت سيطرته في حين تعاني أرضه من الفساد الحكومي وانهيار جميع الانظمة.
وفي ظل الإجراءات المتخدة نجد أن السلطات لا ينقصها إلا أن تقيم وزارة الفكر والتي ستخفي في باطنها سلطة وأمن الفكر، حين أن بعض الأجهزة الأمنية القائمة تهدد الأمن والفكر والإبداع في قمعها المستمر لكل من يحاول أن يتخذ من دفاتره روايات ومقالات وكتبِ تكشف الحقائق الخطيرة لفشل وفساد حارس المدينة.

لو توجهنا في الاختصاص للحديث عن النظام السياسي الفلسطيني لا يختلف الأمر كثيرًا، السلطة لم يعد يرهبها فقط قلم بيد ساخط، ولم يقتصر التخوف على دفتر. جهاز محمول وحساب «فيسبوك» شخصي قد يجعل الفولاذ يلتف حول أعناق كفيك بتهمة إساءة استخدام التكنولوجيا، وتهديد الأمن.
في القائمة السوداء Black List، تأخد فيه ترقيمًا لاسمك إن عبَّرت عن مقتك وقهرك إزاء الظلم الذي تغرق به المدينة، تلك القائمة التي يشار بها إلى الأشخاص الذين وجب نبذهم ومنعهم من ممارسة نشاطهم الفكري.
يحصر الحاكم أسماء من وجب مراقبتهم من نشطاء وصحافيين في هذا القائمة عبر حساباتهم الشخصية وممن قد تسول له نفسه أن يفكر في ما هو مخالف لما يراه الحاكم، وفي حال صدر عنه رأي نقدي صريح أو خفي عن الوضع السياسي فيتم اعتقاله وممارسة العنف النفسي والجسدي إن لزم الأمر، والكثير من الإجراءات الظالمة بحقه، تتخفى بذريعة القانون وحماية الأمن الداخلي.

لم يسلم الكثير من أصحاب الرأي من هذه القائمة، ولم تخل من أسماء النشطاء الساخرين من كل حدث سياسي باستخدام أسلوب الكوميديا السوادء مع الاحتفاظ بعنصر الجدية إزاء الموضوعات السوداوية التي تعاني منها المدينة، حتى وصل الأمر بالمواطن إلى أن يرتعد خوفًا من أن يعرف أحد أنه يقتني رأيًا فكريًّا داخل عقله.

إن الكوميديا السوداء التي يلجأ لها الشباب لمحاربة الظلم والتفريغ النفسي على حساباتهم الشخصية، حول ما يضج في أدمغتهم من غل وقهر من هذا الواقع المقيت، ومن تحليل معطيات الخراب والظلم الذي ينتهك المستقبل الذي بات رمادي اللون، تودي بك إلى غياهب السجن، فهذا يعد عملًا إجراميًّا في نظر الحاكم، وجب الاعتقال فيه وممارسة التعذيب باسم التهذيب.

ثلة من التساؤلات تقتضي أن تحضر نتيجة التمعن في اتفاق جميع الأنظمة السياسية بالعالم وخاصة العربي، بقمع وملاحقة كل من يشكل خطرًا على أفكارها السلطوية والمتغطرسة؟
أين أنت!
ومن أي مدينة جئت؟
من كبل عنق كفتيك التي تحتضن قلمًا؟
من المسؤول عن إتلاف دفاترك؟!
وإحراق لوحاتك؟ العبث في أصباغك اللونية التي ترسم لوحة؟
من ألجم صوت الثورة بداخلك؟!
من أحرق المكتبة التي تنتفع بها قوة للتعبير عن تضور عقلك وروحك للحرية التي أعدمتها الأنظمة القائمة؟
من قام بحظر وحجر أفكارك ليمنع تسريبها؟
من أي طين خلقت ليخافك حاكم الزنزانة؟
ما هي اللغة التي يحاول الحاكم طمسها؟ هل هي لغة الأم؟ أم بنات أفكارك التي تغتصب لو حاولت كسر لجام صوتها.
هنا تُختزل الإجابة
عالم تحكمه لغة القوة لا لغة الفكرة.
دستورها الخفي مدون فيه قانون الغاب تكرارًا.

ذات سمة ديكتاتورية في نظامها السياسي، مهمتها تنفيذ الكبت السياسي، وهذا يضاعف من سجل الكبت الإنساني الآخر الذي يعاني منه الشباب.
الحكومات على مر العصور تخاف القلم والدفتر، تخاف الفكرة حين تتجلى بالفن التشكيلي أو المسرحي، لأنها بمثابة قنابل نووية بمقدورها إبادة نظام ظالم، فتجدها تتخبط كالشيطان من وهل حروف كتابها، التي كالنار المضمرة إن قُرئت من ذاك المظلوم الذي مورس عليه سياسية التجهيل لحقوقه.

إن الكثير  من أنظمة العالم مرتع سوداوي لمستقبل يهيمن فيه حزب واحد على كافة نواحي الحياة ويقيد الحريات. كاميرات المراقبة وصور«القائد» الذي لا يحمل الصفة الاصطلاحية لهذا اللقب، بل يتخد من لقب القائد ديكورًا وبروتكولًا إصلاحيًّا ينافي مهامه التي يمارسها في نظام حكمه، وكل شيء خارج سياق تفكير النظام يعد  «جريمة فكر» أي الانتقاد الشديد للأنظمة الشمولية، جريمة تجعل أصابعك إربًا وتحرق دفاتر أفكارك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جريمة, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد