مراجعة لكتاب نهاية عملية السلام أوسلو وما بعدها

كتاب «نهاية عملية السلام أوسلو وما بعدها» يحوي مجموعة مقالات إدوارد سعيد المفكر والبروفيسور في جامعة كولومبيا الأمريكية، وأحد أبرز الرموز الثقافية على الساحة الفلسطينية والعربية، ما بين 1995 و2001 في جريدة الحياة، والذي جاء محتواها متسقًا مع فكره ورؤيته للقضية الفلسطينية مستقبل الصراع الفلسطيني(العربي) / الإسرائيلي.

ما قدمه إدوارد سعيد (الفلسطيني المولد والأمريكي الجنسية) من مقاربة لتاريخ الصراع وآلية مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لأراضي فلسطين 1967، وسياسات الفصل العنصري ضد عرب 1948 (الذين يعدون مواطنين درجة ثالثة في دولة تمنح الحقوق كاملة لمواطينها اليهود فقط).

يتناول تحليل السياق التاريخي لمساعي إلغاء قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين  أُرهبوا وقُتلوا ضمن حملات منظمة للتطهير العرقي، وتهجير من بقي منهم حيًّا في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي إلى اليوم – الذين تفوق أعدادهم الأربعة ملايين – ومحاولات محو تاريخهم الممنهجة يأتي من خلال إلغاء أي مسؤولية تاريخية للكيان الإسرائيلي تجاه عرب فلسطين ممن تعرضوا لأفظع أنواع الجرائم والانتهاكات.

مع إبراز المفارقة في أن إسرائيل «الدولة التي لم تحدد حدودها الجغرافية بعد والدائمة التوسع»، ما زالت تتلقى وتطلب من حكومات ألمانيا المتعاقبة دفع التعويضات للجرائم التي ارتكبها النازيون في الحرب العالمية الثانية ضد عرقيات وقوميات وفئات عدة، كان اليهود الأوروبيون من أبرزها!

تم التدليل في هذه المقالات أيضًا على الحركات التحررية (من الكولونيالية) الأنجح في القرن العشرين كالنموذج التحرري الهندي، ونهجه في كسب الاستقلال عن المحتل البريطاني.

والنموذج الأبرز – من حيث تأثر الكاتب به – لجنوب أفريقيا ورمزه مانديلا في مواجهة نظام الحكم القائم على الفصل العنصري، من خلال مقاومة ثقافية إعلامية منظمة بالدرجة الأولى موجهة لشرائح شعوب الدول الغربية الداعمة لنظام الفصل العنصري ذاته وغيرها، وكسب إيمان الرأي العام الغربي والعالمي بقضيتهم وحقيقة علوها الأخلاقي.

 الأمر الذي قلب الكفة، رغم تفوق النظام العنصري في جنوب أفريقيا آنذاك من الناحية العسكرية واللوجستية، دون أن يغفل في الوقت ذاته خصوصية الوضع الفلسطيني الإسرائيلي المتمثل بتاريخ (إرث) أوروبا في اضطهاد اليهود.

وتغلغل النفوذ الإسرائيلي الصهيوني الناجح والمؤثر في صياغة سياسات الدول الغربية خصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية التي تقدم إداراتها وسياسييها الواحدة تلو الأخرى، الدعم المالي واللوجستي والعسكري والسياسي والاستخباراتي اللامحدود؛ لإبقاء إسرائيل بعيدة عن أي مساءلة قانونية دولية أو محلية عما ارتكبته أو ترتكبه من جرائم حرب وسياسات الفصل العنصري، وفي موقع تفوق تقني وعسكري شاسع على مجموع جيرانها العرب، (استخدت أمريكا حق الفيتو 43 مرة من مجموع 81 لمنع إدانة إسرائيل في مجلس الأمن والأمم المتحدة).

كما حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على تأمين تفوق إسرائيلي تقني وعسكري شاسع على مجموع جيرانها العرب، وتأكيد استدامة هذا التفوق، والتبرير لهذا الدعم من خلال تصوير العرب عبر مؤسسات الإعلام والعلاقات العامة الصهيونية الضخمة، على أنهم جهلة وإرهابيون ودخلاء، وأن «دولة إسرائيل» الممثلة الحصرية لليهود (الذين تعرضوا للتطهير العرقي من قبل النازيين والمعاملة العنصرية في أوروبا اللاسامية لقرون) يهدد الإرهاب الإسلامي العربي اللاعقلاني ديمقراطيتهم الفريدة بالإبادة! 

مثل هذا الهراء يجري ترويجه ليل نهار لمتلق أمريكي غير مكترث في الغالب، ومشبع بالدعاية الصهيونية وكليشيهات الإعلام الأمريكي تجاه العرب، في غياب تام لأي محتوى معرفي تاريخي واقعي أو حقيقي بديل لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط.

في المقابل تدين مقالات سعيد ذلك التذلل المهين للقيادات العربية أمام زعماء وسياسيي الولايات المتحدة واسرائيل، والتذلل لكيانات الضغط الصهيونية في أمريكا «كأيباك» وغيرهم من الجهات المعتنقة للمشروع الصهيوني، لاستجداء اعتراف أو دعم وشكل من أشكال السلام الذليل – فيما يخص القضية الفلسطينية – حيث تتنازل القيادة الفلسطينية عن كل شيء، عن التاريخ والحاضر والمستقبل وكل حق أصيل مقابل وعود إسرائيلية فارغة، وآمال لا أرضية واقعية لها.

 رغم حقيقة عدم تنازل إسرائيل عن أي شيء، بل ومضيها غير القانوني والمدان دوليًّا في قضم الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات.

الحل الذي روجت له جميع الأنظمة العربية منذ اتفاقية أوسلو في سنة 1993 وما زالت دون أي نتيجة تذكر، والذي وصل الاحتقار والتعالي عليها (على الأنظمة والشعوب العربية) ذروته في يومنا هذا – بعد وفاة إدوارد سعيد بما يقارب 15 سنة وهو ما حذر منه – مع مجيء كل من نتنياهو العنصري الفج رئيس وزراء لإسرائيل، والمعتوه دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مع أجندة تقتضي ابتزاز الدول العربية الغنية وتصفية القضية الفلسطينية لضمان أمن إسرائيل.

وتضمنت التصفية: الاعتراف بالقدس موحدة عاصمة لإسرائيل بنقل السفارة الأمريكية إليها (وهو ما حدث في 2018)، تصفية قضية اللاجئين وإسقاطها وإيقاف جميع المعونات التي التزمت الولايات المتحدة بدفعها، إسقاط حل الدولتين بصيغته المعتمدة دوليًّا – دون أن يكون هناك بديل – وفرض طرح اقتصادي يقوم على توطين الفلسطينيين في أراضٍ عربية خارج فلسطين (الأردن، مصر) مع توفير فرص عمل لهم ضمن سياسة التهجير والتوطين.

وعزل باقي الفلسطينيين في محميات أشبه بالسجون، محاطة بأسوار الجيش الإسرائيلي وعتاده العسكري (فيما بات يعرف اليوم إعلاميًّا بصفقة القرن، وقد كُلف جيرارد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي ذو الميول الصهيونية بتولي هذا الملف).

 وتقدم مقالات إدوارد سعيد للشعوب العربية حلًّا آخر يكمن في التحرر من سياسات النظم القمعية العربية العقيمة، وتنظيم مقاومة ثقافية مؤسساتية واسعة النطاق، يشارك فيها المثقفون والناشطون داخل فلسطين والأقطار العربية، وأولئك في الشتات ممن يقطونون دول أوروبا والأمريكتين وغيرها.

مقاومة موجهة بالدرجة الأولى لعموم الشعب الأمريكي والأوروبي وتيارات من الإسرائيليين الممكن استمالتهم فكريًّا لتأييد مشروع سلام عادل، وللاعتراف بالجرائم التي ارتكبت بحق الفلسطينيين (وقد أثبتت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS غير الحكومية ضد إسرائيل، والتي أطلقت سنة 2005 فاعلية في الإضرار بالمصالح الإسرائيلية وصورتها في الإعلام الغربي على نحو غير مسبوق).

 وهذه المقاومة تقتضي الاطلاع على تاريخ الآخر وتفهمه إبتداء؛ لإبراز التفوق الأخلاقي لقضية الشعب الفلسطيني وبعدها الإنساني، والثبات بإرادة صلبة على عدم التنازل عن فكرة السلام العادل، والمطالبة بالمساوة الكاملة والانسحاب العسكري من كامل الأراضي المحتلة سنة 1967.

قد يكون إدوار سعيد قد رحل لكن أفكاره باقية، وهي برأيي ورأي الكثيرين تشكل بداية الحل لوضع طال تأزمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر, قراءة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد