عندما نعجز عن إيصال ما نريده إلى الأطراف المواجهة نستعين بشماعة من الأعذار، لتبرهن وتثبت لنا أمام أنفسنا أننا على حق؛ إنما الخلل في الطرف المستقبل، فهو المتعنت الذي لا يريد الوقوف على الحقيقة، ولا أُنكر هذا العذر ووجوده. حقيقةً أحيانًا يكون «لا حياة لمن ننادي»، ولكن لا ينبغي الركون إلى هذا العذر في كل حوار لم يثمر، أو استباق أي جدلية نقاشية بأن أحد الأطراف لا يملك النية في الاستيعاب.

إنّ أي إلقاء فكري -والحوار مثالًا- يأخذ المنحى الكهربائي نفسه للوصل بين جهازي المستقبل والمرسل. لديك جهاز مرسل وجهاز مستقبل وطريقة الوصل بينهما، فلو أنك تحمل جهاز التحكم عن بعد (ريموت كنترول)، وتبدأ بالضغط على زر معين فلا تلاحظ استجابة؛ ماذا ستفعل؟

هل ستقوم إلى جهاز الاستقبال (الريسيفير) وتحطمه، أو تتلفه وتستبدله بآخر، أو تعرضه على مختص كهربائي؟

منطقيًّا لن تفعل ذلك؛ بل إنك ستبدأ بإمالة يدك يمينًا ويسارًا أو تقترب من «الريسيفر»، وهذا ما يسمى تغيير الأسلوب في إيصال الفكرة ووجهة النظر؛ فإن أول ما يجب أن تلجأ إليه لتلقى استجابة صادقة من الطرف الآخر المحاور لك هو تغيير أسلوبك، ولتغيير الأسلوب سلبيات إن كان التغيير نحو الغضب والحزم والشدة، وسيكون ذا مردود إيجابي إن كان التغيير نحو الاستيعاب ومراعاة ومداراة الطرف المستقبل؛ فتقترب منه وتراقب الضوء في شاشة الاستقبال، وتحرص كل الحرص أن توجه جهاز الإرسال نحو هذه النقطة المضيئة بالذات.

فعندما تستنفذ كل أساليبك، عندها تلتفت إلى جهاز الإرسال وهنا نقصدك أنت بصفتك محاورًا، في مثالنا الذي عرضناه لا بدّ من التأكد من موضع المدخرات، ومن شحنها وتبديلها إن كانت فارغة؛ فهذا يعني أنك حين تفشل في إثمار الحوار والحصول على نتيجة بناءة، راجع معلوماتك وأدلتك ومراجعك ومنطقية أفكارك وبمعنىً أدق: «راجع مخزونك العلمي والفكري عن موضوع النقاش»، فإنك قد تكون أخطأت في زاوية ما، أو جانبت الصواب في نقطة ما، فحال خطؤك بينك وبين من ترسل له أفكارك وتحاوره.

وهنا تذكر أن الضغط بشدة على أزرار جهاز الإرسال أو ضربه لا يعطي عادةً مردودًا إيجابيًّا، وكذلك عندما تضغط على نفسك وتغضب وتصرخ وتثير الجلبة والضوضاء لن تأتي بأي نتيجة، والمعروف في أدبيات الحوار أن الصوت المرتفع دليل على الفكر الفارغ؛ ولذلك تجد أكثر الأدباء والمفكرين كتّابًا ومدونين، وقلة فقط من تشرح بصوتها؛ لأن الصمت أبلغ والصوت المنخفض أشد وقعًا على العقل والقلب من الصوت المرتفع؛ بل إن الاستخدام الخاطئ لنبرة الصوت قد تحيد بك عن الثمرة المرجوة من الحوارات، فقد تحول النقاش الجدّي إلى هزلي، أو تحول السكون إلى شجار ومشاحنة، ولربما تكون أقرب إلى كسب ود خصمك فترفع صوتك؛ فينفر منك ويبتعد.

عندما تتأكد تمامًا من أنك سليم المعتقد والأفكار، صحيح النهج، مستقيم في استدلالك ومنطقك وفهمك، وعندما تتيقن أنك برعت في تغيير أساليبك وتنويعها بما يلائم أي بنية عقلية أو عاطفية تقابلك، ومع ذلك لم تفلح؛ اقترب من جهاز الاستقبال وامسح بلين ورفق الغبار عن واجهته فلعله كان عائقًا، وجرب مرة أخرى أن ترسل له أفكارك، فإن أبى ولم يستجب فاعلم أنه هنا وفقط هنا:

قد أسمعت لو ناديت حيًّا .. ولكن لا حياة لمن تنادي!

إن الحوار علم محفوف بالأدبيات والأخلاقيات والأساليب، ولا يستطيع أن يبدع في هذا العلم غض العظم من الحدثاء الذين تعلموا الكلمة والكلمتين، وسمعوا محاضرةً هنا ولقاءً هناك؛ ثم تشربوا بالشبهات حتى ارتووا، وبعدئذٍ يأتيك متخصّرًا عاكفًا كتفيه قاطبًا حاجبيه ليقول لك: أقنعني.

لا يا عزيزي، لن أستطيع أن أقنعك فإن رميم العظام لا يحييها إلا العلي القدير؛ أما نحن نسقي فيكَ بذرة الخير لا أكثر، فإن وجدت فيكَ هذه البذرة نمت وكبرت وذاك غاية ما نرجو، أما إن كانت البذرة تحت صخر من القناعات الفاسدة، فأنّى لها أن تُسقى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد