هل خطر ببالك ما يمكن أن تكون عليه حياتك لو أنك اتخذت مسارًا مختلفًا؟ ماذا سوف تكون عليه حياتك لو كنت اتخذت هذا القرار؟ وما النتيجة التي كانت ستؤول إليها أيامك إذا ما اخترت هذا الطريق دون الآخر؟

هل من الممكن أن تكون هناك نسخ مختلفة منا؟ هذه النسخ أخذت قرارًا مختلفًا عن الذي اتخذناه، أو ربما جبُنت عن اتخاذ قرارات أخذناها نحن؟

إذا حدث وصار هناك إمكانية أن تلتقي بهذه النسخ ماذا ستقول لهم؟ هل ستحاول أن تتخلص منهم لتستأثر بما وصلوا إليه لنفسك؟ هل ستحاول أن تستبعدهم لتحل محلهم في حيواتهم؟ هل ستحاول أن تجمع بين الخيارين؛ الشهرة والمجد، والحياة الأسرية الهادئة؟

أيهما تفضل، حياة المجد والشهرة بلا أسرة أو استقرار؟ أم ستفضل الحياة الأسرية الهادئة المستقرة مع أسرتك التي تحبها، وتترك المجد والشهرة؟ الحياة المستقرة وأن تقضي أيام الإجازات مع عائلتك تتسامرون وتضحكون وتفرحون؟

إن كنت من الذين اتخذوا قرارت خاطئة، أو قرارت جبنت أن تأخذها في حياتك، فأنصحك بألا تقرأ هذه الرواية، فهي ستعيد فتح جراحات الماضي، وستنفض وتثير غبار الأسى وخفافيش الذكريات، لا تقرأ إن كنت ممن يحملون حسرة في قلوبهم على أيام مضت، وعلى قرارات كان الأجدر بك اتخاذها، وطرق كان حريًّا بك طرقها، إن كنت ذاهلًا عن واقعك وتقول ما الذي ألقاني هنا؟ أو إن كنت تتساءل ما إن كان هذا الواقع الذي أنت عالق فيه لم يخطر ذكره قط بخيالك، فهذه الرواية ستكون تعذيبًا شديدًا لك.

فعلى مدار 493 صفحة من القطع الكبير تدور أحداث هذه الرواية، التي كانت في بدايتها وإلى المنتصف مملة قليلًا بالنسبة لي، إلى أن وصلنا إلى المائة والخمسين صفحة الأخيرة، هنا تصاعدت الأحداث تمامًا، وكنت ألهث خلف الصفحات ألتهمها التهامًا.

أفكر في كل الليالي التي قضيتها راقدًا على السرير، متسائلًا كيف من الممكن أن تكون الحال لو اختلفت الأمور، لو لم أتخذ تلك التفريعة في الطريق التي جعلتني أبًا ومدرسًا للفيزياء، بدلًا من أن أكون نجمًا لامعًا في مجالي.

فكرة الرواية بحد ذاتها لم تكن غريبة علي، رغم أنها قد تكون مفاجئة لبعض القراء، فلقد قرأت مقالات من قبل تتكلم عن هذا الأمر، كما أني شاهدت أفلامًا، منها مثلًا فيلم «Coherence»، والذي ناقش أفكارًا مشابهة لما جاء في الرواية، والفيلم على بساطته، فإن فكرته الأساسية عبقرية جدًّا.

جيسون الذي يدرس في الجامعة موادًا نظرية، وزوجته دانييلا وابنه تشارلي، الذي تخلى عن طموحه وأبحاثه التي كانت ستقلب ميزان العلم، وربما حصل على جائزة نوبل بسببها، ودانييلا التي تخلت عن طموحها في أن تصبح فنانة تشكيلية عظيمة، وكانت تقدر على هذا، كانت تسير حياتهم بهدوء واستقرار وسعادة إلى أن حدث حادث خطير قلب حياة جيسون رأسًا على عقب.

لقد تحكم فهمي للهوية أنا واجهة واحدة لكائن ذي واجهات لا نهائية، اسمه جيسون ديسن قد قام بكل اختيار ممكن وعاش كل حياة متخيلة.

فعن طريق التنقل بين الحيوات اللانهائية، يلتقي جيسون بنسخ مختلفة من زوجته، منها الزوجة الحزينة، ومنها الفنانة التشكيلية العظيمة التي كانت تصبو إلى أن تكونها زوجته التي في عالمه، كذلك سيلتقي بنسخ كثيرة منه، منها النسخة التي سيكون فيها عالمًا عبقريًّا في مجاله، ومنها ما سيكون نسخة اللص، ونسخة المحتال ونسخة المجرم، وكلهم يتصارع من أجل الحصول على هذه الحياة الأسرية التي يحظى بها جيسون البطل، إذن نستنتج أن الكاتب في هذه الرواية انحاز حسب ما فهمت إلى فكرة وخيار الحياة الأسرية المستقرة، وفضَّلها على حياة المجد والشهرة.

لا يمكنني تجنب التفكير في أننا أكبر من مجموع اختياراتنا، إن كل الطرق التي كان من الممكن أن نتخذها تشكل بطريقة ما عاملًا في حساب هويتنا.

بدون حرق للرواية فإن المعالجة لفكرة الأكوان المتوازية كانت جيدة في هذه الرواية، والكاتب اخترع فكرة نستطيع أن نقول عليها جيدة ومقنعة نوعًا ما، لن أذكرها هنا في المقال حتى لا نحرق الرواية عليكم.

الرواية من تأليف الكاتب بيليك كراوتش، وهو كاتب أمريكي من أشهر كتاب الخيال العلمي، وترجمة ممتازة لعبد الرحيم يوسف، ولا بد أن نشكر دار المحروسة على إصداراتها الأدبية المحترمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد