من أصبح بين الناس جابرًا للخواطر أدركه الله، عز وجل، في جوف الخواطر، قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَٰنُ﴾ الآية 60 سورة الرحمن.

بين علماء الاسلام بأن الإيمان له مراتب، حيث وضعوا الإحسان بأنه أعلى مراتب الإيمان، كما أنه أعلى درجة يصلها الإنسان في عبادة ربه عز وجل، فيما ورد في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: في حديث جبريل، عليه السلام، عن النبي ﷺ وفيه: فأخبرني عن الإحسان؟ قال:«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، وفي رواية في مسلم أيضا:«أن تخشى الله كأنك تراه، فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك»، وفي رواية في مسند أحمد: «الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه، فإنك إن لم تره فإنه يراك»؛ فإذا بلغ المسلم درجة الإحسان بأن يعبد الله وكأنه يراه في كل أحواله وحركاته يكون مرتقبا إلى منزلة رفيع، لأن الإحسان قد يدخل في جميع جوانب الحياة، سواء أكان في الأقوال والتفكير والأفعال وغيرها.

إذا، فما الإحسان؟

الإحسان في لغة، مصدر أحسن وهو ضد الإساءة، وقال الله تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ﴾ (الآية 90 سورة النحل)، فالإحسان هنا أن يعطي الإنسان أكثر مما عليه ويأخذ أقلّ مما له، فذاك عمل زائد.

كما يُعرّف الإحسان اصطلاحًا بأنَّه أن يَعبد الإنسان ربّه، عزّ وجلّ، في كل أحواله على وجه المراقبة والحضور له، وكأنه ينظر حال عبادته وانفراده ويَراه بقلبه مما يزيد التقرب إليه. فقال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُون﴾ الآية 128 سورة النحل.

وقال الشاعر أبو الفتح البستي           
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم    فطالما استعبد الإنسانَ إحسان                 

فأقوى الإحسان أن تحسن إلى الناس بالعطاء وصدق النية، وأوسط الإحسان أن تعاملهم بسلام وأمان، وأقل الإحسان أن تكف عن أذاك.

إن من سنن الله تعالى في هذا الكون اختلاف الطبائع الإنسانية، حيث إن الاختلاف يدل على عظمة الله تعالى، فالمحسنون -هم بصفة الأساس – كرماء وعظماء، ويرى المجتمع أنهم أفضل الناس؛ ولا يزال الإحسان موجودًا على وجه الأرض ما دام الإنسان على الأرض، فهو سمة وصفة محمودة عند الله وعند الناس، بيد أن المجتمعات الإنسانية قد تختلف ماهيته وكيفيته. مرة يتعلم الإنسان ماهية الإحسان إلى الناس، ومرة يأتي بالفطرة. كأن يسعى الإنسان إلى نفع الناس وكشف كربهم، وما إلى غير ذلك. فذاك يسبب نقاء القلب وطهور الصدر وحسن النية.

أما في الوقت الحديث فهناك ظاهرة استهزاء ورياء للأعمال الصالحة، فمثلًا؛ الرياء علامة لكل الشاشات، وهي التى تقود بالغرور والتعالى مع سخرية سائر الناس، وفي نهاية المطاف يكون الإنسان نرجسيًّا في حياته كلها وهو يهتم كثيرًا من الأناقة وتجديد المظاهر. ففي الاجتماعات والحفلات تلاحظهم، حيث يقتحمون المنابر الأمامية، فيستريحون لأنفسهم متى يتكلمون أمام الجمهور، ولو قالوا بكلمة واحدة، ثم يشعرون بالفرح والسرور، أحدهم بلغ الأمر بدفع المال لكي يبيع بكلمة من المنابر، وليظهر لنفسه أنه كثير الأهمية للآخرين، ذاك هو الرياء الذي كان هدفه. ولا سبيل للإحسان والتوفيق.

فحب الظهور والشهرة بين أطراف المجتمع، لا يعني أن تكون من المحسنين، ولا مكان للشهرة في الإحسان، فالإحسان يربط المجتمع بالأخلاق والتعاون لوجه الله.

ختامًا؛ لن ينسى الله خيرًا قدمت فعله، ولا همًّا فرجته، ولا عينًا كادت أن تبكي فأسعدتها، فكن محسنًا حتى وإن لم تلق محسنًا، لا جزاءً ولا شكورًا، بل لأن الله يحب المحسنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد