يقال إن أصدق الكلام هو ما لم يـُقل! وان تلك العبارات التي نكتمها بداخلنا آلاف المرات كابحين زمام اعترافاتنا ومؤثرين الصمت.

متفاهمين إلى أقصى حد مع تلك الخواطر الليلية التي تحمسنا لنهدم كل شيء، وأن نهد جبالًا من اللاشيء الذي نسجناه حولنا واقعيًا! وما نلبث أن يعود كل شيء هادئا مستكينًا مملًا، بل حتى قاتلًا في الصباح، بالرغم من كل تلك النوبات التي أعهدها، فكل منا صديقان متآلفان على دراية كاملة بما يدور في خلجات بعضنا البعض، لكن لم يسبق لي أن أكون سوداويًا لتلك الدرجة من قبل، وبالطبع فإن أول ما يخطر لعقولنا في مثل تلك الحالة هو الماضي الذي يخيل إلينا من سحر متاهات الحياة أنه قد نُسي! على الرغم من أنني في ماضي القريب ذلك لم أحب أحدًا كثيرًا، ولم أعتد التعلق، وبالرغم من ذلك الخذلان الذي دائمًا ما تهافت إلى في اشتياق! لكنني لم أكن كرهًا لأحد قط.

اجتماعيًا كنت ساذجًا بعض الشيء، لكن صريحًا، بل كنت ساذجًا لحد كبير، وحقًا لا أعلم إن كنت ساذجًا حينها أو لسبب ما كنت أتساذج متعمدًا! على كل لا أحب أن أعتبر نفسي ضحية أحد، لست من هؤلاء الذين يتفننون في المحاسبة وإلقاء اللوم والتبرؤ من نواقص الذات، فأنا لست ببراءة المظلوم في كل الأحوال!

لست مخادعًا لنفسي أولاً قبلكم، وأنا أتيقن أنني كنت ظالمًا بطريقة أو بأخري يومًا ما. حتى وإن لم أشعر أنني كذلك، فالظلم هو كل إجحاف لحق ليس مشروطًا أن يكون ماديًا ملموسًا، بل إن أعظم جرائمنا التي نرتكبها هي أن يُؤرق أحد ما قد نمت أنت ظالمه كاسرًا خاطره، وقاهرًا نفسه، لكن ورغمًا عني عندما انفرد مفكرًا بين الفينة والأخرى متقمصًا ذلك الطور (الشوبنهاوري) الذي أحبه، في كل مرة أجد أن الطريق بيني وبينكم لم يك مفخخًا على ما أظن! ولم يك موحشًا أو ممتلئًا بعراقيلي السيكولوجية التي أمقتها تلك، فللمرة الأولى لم أعامل أحدًا بها، تخطيت جميع حواجزي واقتربت فحسب.

وعلى ما أتذكر فأنا لم أكـُ متطلبًا أيضًا بهذا القدر، بل كانت تكفيني حينها بعض كلمات الاطمئنان الروتينية، أو كنت سأرضى باتصال هاتفي فاتر من قبيل ما يذكرني بأنكم تعلمون أنني على قيد الحياة!

نعم يا رفاق، الحياة تلهي، والوقت يقتل الجميع، لكن لنكن مباشرين أكثر، لندع أعذارنا جانبًا ونتصارح، تتيقنون وأتيقن جيدًا أن جميعها مبررات واهنة اهترأت، لا ننفك نرددها كأساطير الأولين، وكأنها قد اكتـُتـِبت من مـُسلمات الكون، فالأمر بكل ما أوتيت المعاني من بساطة مذ خلقت الأحرف أن من يريد الاقتراب ومن يهمه الاقتراب حقًا سيحرق جميع الساعات وينتشل شوقه من بين الدقائق ويقترب! لأعود لواقعيتي قليلًا، نعم أعلم وأتيقن وأجزم وأقسم أنني لست مؤثرًا في حياة أحدهم، ولن أكون، بل حتى لا أريد، الظل يليق بي، وأنا أليق به، وإبقاء هويتي مختفية، بالرغم من جلوسي بينكم وعلمكم بظاهرها هو الأفضل! أنا لا أحُمل أحدًا مسئولية ما صرت إليه، لست بهذا القدر من السوء على أية حال، كل ما في الأمر أن الوضع يزداد قتامة، وأن بقعة الضوء في آخر الطريق ما كانت إلا سرابًا! فأنا متصالح مع ذاتي تمامًا، غير ناقم عليها (على غير عادتي) هذه المرة، أوقن أنني ضحية نفسي أولًا، ومحاولات تعلقي ثانيًا، والقليل من نفاقكم أيضًا بعض الشيء!

عاهدت نفسي قبل ذلك ألا أنزوي وحيدًا للبكاء مرة أخرى، وألا أصبح أسيرًا لوحشة نفسي القاتلة، جليسًا لتلك الأفكار السودواية حد الاختناق، مستمعًا لتلك المقطوعة المملة التي ألفتها مسامعي، ليس لجمالها، بل لأن تواترها السريع يتلاءم مع صوت الظلمة التي أسمعها وحدي، وكأنها مرثية لفظ الأنفاس الأخيرة؛ لدي فقط اعتراف صغير حد السماء (نعم فقد أخبرتموني قبل ذلك أنكم باقون إلى جواري وستشتاقون إليّ حد السماء) فترسخت في ذهني أنها أقل من قيد أنملة بقدر وعودكم، لتعلموا ذلك بكل بساطة وبدون مقدمات أو مجاملات، أمقتكم جميعًا! ولعدم ابخاس حقكم أعترف أنني وبفضلكم أصبحت أمقت نفسي أكثر.

لكنني لن أستسلم، سأعاهد نفسي مرة أخرى ألا أنزوي، وألا أبكي، وألا أحطَم، أو ألوم أو أعاتب أو أحترق أو أستمع لتلك المقطوعة اللعينة! أما أنتم فستصدقون أنني بخير مرة أخرى، وستعاهدونني على البقاء بحد السماء أيضًا!

في النهاية تلك المقالة هي محاولة ولو بسيطة لاستقراب ما يدور في أذهان أحدهم، هؤلاء المهجورون في غياهب النسيان، ممن يعانون من الكثير من الألم النفسي والأمراض التي عادة ما يستخف بها الجميع، مهداة لآلاف الكلمات التي لم تقل، ولذلك العتاب الذي بقي ناقصًا، ولتلك الخواطر التي لم يقدر لها أن تكتب سوى في نفوس أصحابها تكاد حشرجتها تُسمع من وراء ابواب الصمت التي لم يطرقها أحد، لكنها ما زالت على قيد الحياة،  لا تتركوهم وحدهم، و لا تكتفوا بكلمات مواساة بسيطة لا تغني عنهم من آلامهم شيئًا.

هذه المقالة مهداة ايضا لذلك الشاب الذي فقد حياته قبل عدة أيام بعد أن اختار الانتحار، وإلى الآلاف الذين هم على طرقات اليأس في انتظار دورهم، علّها تستطيع نقل ولو القليل مما يدور في خواطرهم، وعلّها تكون رسالة ألا تسفهوا من آلام أحدهم، متجاهلين تلك النظرات التي تستصرخكم طلبًا للنجاة مكتفين ببعض النصائح المستهلكة وحسب. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد