إنهم يتألمون بالليل والنهار. يحترقون بنار لا يعلمها إلا الله، لا يشعر بهم أحد، ولا يقدر ألمهم إنسان، بل يهاجمهم المجتمع لسوء ظنه بهم، إنهم مرضى الاكتئاب في مجتمعاتنا العربية، تلك بعض من خواطرهم لعل الأصحاء في مجتمعاتنا يشعرون بهم ويكفون أذاهم عنهم.

حينما تسودّ الدنيا في وجه مريض الاكتئاب يلجأ إلى النوم حيث إنه هو المهرب الوحيد من دوامة عذابه، أما حينما يصير النوم ممتلئًا بالكوابيس المخيفة بين الفزع والقلق فيصير النوم قطعة من العذاب كالاستيقاظ فأين يذهب وأين يهرب ذلك المسكين؟!

حينما يصبح القيام من السرير كمن يزيح جبلًا من فوق جسده! وحينما يصبح حمل القلم للكتابة كحمل الأثقال!وحينما يصبح فتح الكتاب للقراءة أو الدراسة كفتح بوابة العذاب! وحينما يصبح الذهاب إلى عملك كالذهاب إلى الجحيم! عن مرض الاكتئاب أتحدث.

أصعب شيء أن تشعر برغبتك في البكاء ولا تستطيع البكاء فأنت منهار داخليًا سوي وسليم خارجيًا وكأنك بركان تريد الانفجار ولكن القشرة الأرضية أقوى من أن تكسرها الحمم!

حينما يتذكر الأيام الماضية من حياته حين كان إنسانًا طبيعيًا يفرح لما يُفرح ويضحك من قلبه لكل ما يُضحك يزداد أساه وحزنه ويشتاق لشيء واحد أن يعود إنسانًا طبيعيًا مثل بقية الناس لا أكثر ولا أقل، تُرى هل هي أمنية عسيرة الوقوع من أجل هذا الإنسان التعيس؟!

– حين نظر في القرآن الكريم لم يجد وصفًا لحالته أكثر دقة من قوله تعالى (لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها) فهل يجمع الله على هذا الإنسان عذابين عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة؟

– في المجتمعات النامية مثل المجتمعات العربية يظل المرض النفسي وصمة عار وصاحبه تلاحقه نظرات الاشمئزاز والتعجب والاكفهرار بل الإجهاز عليه واتهامه أنه هو من فعل ذلك بنفسه! فيضطر مريض الاكتئاب في بلادنا إلى إخفاء مرضه عن الناس ولكنهم لا يتركونه لحاله فهو يتصرف تصرفات تثير الانتباه ثم تثير التساؤلات وهو ما يجعله في أزمة فهو لا يستطيع البوح بمرضه الذي لن يفهمه أحد ولن يستطيع الكذب لأن نفسه الطيبة تأبى أن تكون كاذبة! فما المخرج لهذا البائس في مجتمع مليء بالعقد النفسية؟!

– ستستيقظ من النوم بصعوبة يوميًا فيقولون كسول، وستتأخر في دراستك عن بقية زملائك فيقولون فاشل، وستذهب للعمل بصعوبة وتتأخر عنه فيقولون لا يحب العمل، لن تعمل عملًا إضافيًا بعد عملك فسيتهكمون عليك، ستتأخر عن الزواج عن بقية أقرانك فيتهمونك بالسوء، لن يتركك الناس في حالك يا مريض الاكتئاب فلك الله، لك الله.

– من يقول لمكتئب: أنت مكتئب إذن أنت ضعيف الإيمان كمن يقول لمشلول: أنت مشلول إذن أنت ضعيف الإرادة! رسالة لمن لا يشعرون بمرضى الاكتئاب.

– كان متدينًا، كان يصلي الصلوات الخمس في المسجد. كان يحرص على صلاة الفجر. كان يجلس بعد الفجر إلى الشروق التزامًا بالسنة النبوية، كان يترك المعاصي والفواحش خوفًا من الله. كان، كان… حين أصابه الاكتئاب تحطمت حياته وتحطم تدينه كذلك، فلم يعد يستطيع الاستيقاظ لصلاة الفجر، لم يعد يقدر أن يصلي الفروض في المسجد. لقد صار ضعيفًا أمام شهواته وأمام المعصية. إنه الاكتئاب حين يدمر الإنسان ويجعله خائرًا ضعيفًا مستسلمًا لنفسه حتى صار عاجزًا عن طاعة الله!

– على رغم اكتئابه الشديد استطاع بفضل الله أن يحقق إنجازات كثيرة عجز عنها بعض الأصحاء، وهذه المسألة لها وجهان وجه إيجابي وآخر سلبي أما الإيجابي فهو القدرة على المقاومة وعدم الاستسلام وإن كان عدم الاستسلام يجلب المزيد من الألم، والجانب السلبي أن من حوله حين يرونه ينجز يظنونه سليمًا ولا يشعرون بالعذاب الذي يعانيه من أجل ما يحققه وهو ما يخلق جوًا متنافرًا من عدم إحساس الناس بألمه وجحيمه.

– من أكثر ما يحطمه أنه ينظر للآخرين من حوله فيجد أقرانه قد سبقوه فيتحسر على حاله بل يجد من هم أصغر منه تقدموا في الحياة وقفزوا فوقه وتخطوه مراحل عديدة فينهار ويأسى ويتألم، هذا نجح في عمله وهذا اشترى شقة وهذا تزوج وهذا أنجب وهذا في الماجستير وهذا سافر ليكون نفسه! وهو في مكانه محصلته صفر! نصيحتي له لا تنظر لغيرك يا أخي ولا تقارنهم بنفسك فأنت حالة خاصة مختلفة عنهم وكل إنسان له قدراته المحدودة وأنت قدراتك محدودة بمرضك فلا تأس كثيرًا وتكيف مع وضعك ودع المقارنات صدقني سترتاح كثيرًا.

– من أصعب ما يواجه مريض الاكتئاب أن يصاب بمرض آخر فوق مرضه فيزداد ألمًا وحزنًا ويصاب باليأس والقنوط ويشعر أن الله يعاقبه ولا حديث عن الصبر على البلاء عنده لأن الاكتئاب يحطم معاني الصبر والاحتساب.

– حينما يكون النوم هو ملاذك الأخير ولكنك لا تهنأ به لأنك تعلم أنك سوف تستيقظ من جديد لتواجه كابوس الحياة مرة أخرى!

– حينما تشعر بالغربة وأنت في بلدك وبين بني وطنك، حينما تجد الناس من حولك يتضاحكون ويثرثرون وأنت في ركن وهمي بعيدًا عنهم، حينما لا تستطيع الاندماج مع أقرانك وتحسّ أنك غريب عنهم! حينما يصير حملًا ثقيلًا عليك مواجهة الناس والتعامل معهم حينها أنت مريض الاكتئاب يا أخي التعيس!

– يفقد البهجة في الحياة، لا يدري ما معنى المتعة ولا أنّى يستمتع المستمتعون؟! بل يُسلب القدرة على التسلية، يجلس الساعات الطويلة لا يدري ما يفعل ولا كيف يشغل وقته، يحيطه الملل المدمر من كل جانب، إنه لا يعرف كيف يقتل ملله قبل أن يقتله؟! إنه سجن انفرادي بلا انفراد ولا سجن! إنه حبيس نفسه وذاته فكيف ينجو وكيف يفرّ؟!

– ليس الاكتئاب كله عيوبًا ففيه ميزة واحدة، ميزته أن مريض الاكتئاب لا يخشى الموت! كل البشر يرتعبون من الموت ويتناسونه، ولكنه شاخص أمام ناظري المكتئب غير خائف منه ولا هيّاب، وما ذلك إلا لأنه يتمنى الموت كل يوم، يسأل الله الموت في كل لحظة ولا يناله! أليست تلك ميزة يحسد عليها المكتئب دون غيره؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد