تتوالى الأحداث، وتزداد المشاغل، وتتراكم المسئوليات، وتتزاحم الأعمال والتكليفات، فيقسو القلب! ويطغى الروتين حتى على العبادات دون هيام الروح في ملكوت العبودية. حينئذ، تلزم الوقفة لالتقاط الأنفاس، يلزم التزود بعطور لقاء الأحبة، يتوجب الركون إلى ركن ركين وحصن حصين، يصبح لزامًا شد الرحال لشحن رصيد الروح الذي أوشك على الفراغ، يصير العلاج فقط في طواف حول القبلة، فيها تلتف الروح حول بيت خالقها تلتمس منه النجاة، يضحي الدواء في سعي بين جبلين يمثل للروح وجوب التسابق نحو العلا، يتلألأ النور ليضيء الطريق إلى المربي الأول، وتنفس أجواء مكان سجوده بين بيته ومنبره، لا حل لمثل هذا الحال إلا بالعمرة والزيارة.

إنها استراحة القلب من سباق مجنون نحو مغريات الدنيا، إنها ساعات استجمام تستعيد فيها الروح علوها وسموها بعد أن تثاقلت إلى شهوات الأرض وعرضها الزائل، تبدأ رحلة الروح فيها من عقد النية إلى وداع مدينة الحبيب قبل العودة.

تنعقد النية، فيعيش القلب ثورة شوق إلى لقاء الحبيب، ترتسم صورة البيت في كل شيء، تستعد الجوارح كلها لما اشتاقت إليه منذ زمن تراه بعيدًا، ينبض القلب بالشوق، فتتحرك الجوارح رغمًا نحو تقليد حركات لا تكاد تصبر على فراقها، يستعد اللسان لدعوات طالما ظل يشدو بها ساعات تمر كل مرة أمامه في لحظات لا يدري كيف لم يسعفه الوقت لإتمامها، تستعد العيون لمشهد مهيب طال انتظارها له، كم اشتاقت أن ترى كعبة القلب ومقام الروح ومسعى الفؤاد وروضة الحبيب! يستعد البدن كله لإرهاق شديد هو أحب إليه من فرش الحرير! تلك النية التي لا تستغرق ثواني معدودات، تحول مسار الزمن كله!

تبدأ الرحلة وسط تجمع من المشتاقين التواقين إلى التحلل من دنس الجسد إلى طهارة الروح، حتى الصغار الذين لا يكادون يفقهون حديثًا، تراهم يتهللون فرحًا كأنما غرس هذا الشوق فيهم غرسًا، ونبت على قسمات وجوههم نبتًا!

تصل الراحلة إلى الميقات فتبدأ طهارة الروح بتخلي الجسد عن مظاهر الدنيا، ينخلع اللباس المختلف ليتشابه الإحرام على أبدان الجميع بلونه الأبيض رامزًا للنقاء والفطرة، وشكله الذي يشبه الكفن لتتمثل لحظة نهاية طريق العمر لصاحبه، فينشغل بالباقية عن الفانية، ثم تبدأ أصدق الكلمات التي نطقها اللسان يومًا، “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك” إقرار واضح صريح بتوحيد الذي لا يستأهل العبودية غيره، سبحانه.

تخطو الأقدام أول خطوة لها نحو البيت العتيق، لترقب العين أول نظرة، وينبض القلب معهما بالشوق والتوق. فلا تملك الجوارح إلا الانقياد وراء دقات القلب الذي يصبو إلى الاقتراب شبرًا فشبرًا إلى أستار طالما حلم بالتعلق بها، تنهار العيون باكية من هول الموقف كأنما لقيت حبيبًا قد انقطع السبيل إلى لقائه، تدوي الدعوات فتملأ القلب والجوارح قبل أن تملأ الأجواء من حولها، تهتز الأركان بالدعوات بكل اللغات واللهجات، ويسبح الطير معها طائفًا فوق رؤوس الطائفين، يشاركهم تسبيحًا وعلوًا بالروح إلى السماء.

تسجد الروح قبل الجسد فرحًا بإتمام الله عليهما نعمة القرب والوصل، ركعتان خفيفتان خلف المقام هما أغلى مما طلعت عليه الشمس يومًا، ثم تستمر مسيرة الوجدان إلى سعي يصور رعاية الرحمن الرحيم التي هي أشمل وأحن وأرق من ضمات أم تعشق التراب تحت قدمي ولدها، كم تحتاج النفس إلى استحضار معية من لا تنفد خزائنه! كم يؤدب النفس ويهذبها ثقتها في رب لا يضيع من يحب وإن انقطعت به السبل، هذا ينبوع ماء لا ولن تنضب معينه، يفجره الله تحت قدم من لا حول له ولا قوة! هذا الحب الإلهي الغامر الذي يحيطنا رغم خطايانا وذنوبنا، هل تكافئه عبادة؟! لا والله، إنما هي عبادة نزكي بها نفوسًا ضلت، وجوارح أخطأت، وأرواحًا تاهت، ونحيي بها أملًا ورجاء في رضا من رضاه هو الغاية الكبرى.

يتحلل من إحرامه جسد منهك القوى الظاهرة، لكنه أقوى من الشم الرواسي إيمانًا وتصديقًا، تعبت الأقدام لكنها تعلمت إسراع الخطى نحو المعالي وقررت أن تفر من الخطايا فرارها من النار، مزيج عجيب من مظاهر إرهاق البدن وسمو الروح وراحتها ونعيمها، كأنهما متلازمان يأبيان الفراق، تعب هنا وراحة هناك، أو نعيم زائف هنا وعذاب مقيم هناك.

تشتاق الروح بعدها إلى لقاء الأحبة، محمد وصحبه، فترنو الأنظار شوقًا إلى مواطئ أطهر أقدام لجيل قرآني فريد لن يتكرر يومًا، تشتاق إلى أول ركوع وسجود في مسجد بناه الحبيب بيديه الشريفتين، ما أسعد من وافقت جبهته موضع جبهة خير من سجد! أو يستشعر جلوسًا في موضع جلوس خير رجال نصروا الدين ونشروه في ربوع الأرض، أو يتنفس هواء أحاط يومًا وجوهًا وعدها ربها بتحريمها على النار.

هي العمرة إذن دواء الروح، وهي الزيارة إذن شفاؤها، إحرامك كفنك يضمن لك تذكر مصيرك ويعدك له إعدادًا، نظرة للبيت تسكن القلب، وطواف حوله يطهر البدن، ودعاء في ظلاله يقرب إلى السميع المجيب، وصلاة خلف المقام تذكرك بأبيك وملته، وسعي بين الصفا والمروة يحيي جهاد أمك لأجلك، وتحلل من إحرامك يجدد فرصتك لتعود إلى مسيرتك تقيمها وتقومها، وتصحح زلاتها وهفواتها، وتوقظها من غفواتها وغفلاتها، وتجدد توبتها وأوبتها. كلما ضاقت بك الأرض بما رحبت وظننت ألا ملجأ من الله إلا إليه، شد الرحال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد