مع انتشار فيروس كورونا فرضت على الدول التي تتبنى الشكل التمثيلي من الديقراطية أربعة مسارات، الأول هو كشف الحالات المصابة والتوسع في الفحص بما يسمح بتتبع المرض ومنع انتشاره، والثاني هو توعية الناس بأهمية التباعد الاجتماعي لمنع انتشار الفيروس مجتمعيا، الثالثة تهيئة المنظومة الصحية لمواجهة الوباء، ورابعًا البحث عن علاج وفاكسين للفيروس.

وعبر هذه المسارات تكشفت العديد من المشاكل، معظمها نابع من التناقض الكامن في صلب الديمقراطية التمثيلية، بين الديمقراطية التي تعني حكم الشعب لصالح الشعب وبين الرأسمالية التي تعني سعي الأقلية لتحقيق الأرباح على حساب الأغلبية، تفترض الليبرالية أن الرأسمالية تنتج الديمقراطية بالضرورة.

بينما الحقيقة أن الرأسمالية تخلق من الديمقراطية التمثيلية أداة لتحقيق مصالحها، وتسحقها لو تعارضت مع هذه المصالح، وتقوم بذلك عبر فصل العمال عن أي سيطرة على وسائل إنتاج الثروة، وبالتالي فصلهم عن كل ما قد يمكنهم من إحداث تأثير في المجتمع، ثم الترويج لفصل كل ما هو سياسي عن كل ما هو اقتصادي ونقابي بهدف فصل العمال وتنظيماتهم عن ممارسة السياسة كجماعة والاكتفاء بهم كأفراد، وكل ذلك تحت سحابة كثيفة من الدعاية أن الجميع متساوون أمام قانون الانتخاب، وكأن التفاوت الطبقي لا يجعل من هذه المساواة كذبة لا يمكن تصديقها إلا في إعلام الرأسماليين وأصحاب العمل.

فغياب العدالة الاجتماعية عن الديمقراطية التمثيلية، يخلق حالة من التباعد الطبقي والمجتمعي بين الناخبين وممثليهم في البرلمان وبالتالي يرسخ لحكم النخب السياسية، خاصة مع غياب حق سحب المندوبين واختصار الديمقراطية في عملية تتم مرة كل خمس سنوات، كما أن تحكم رأس المال بالعملية الانتخابية برمتها يصعد بالوجوه التي تخدم مصالحه وليس مصالح عموم الناخبين، في عملية خداع وتزييف وعي كبرى تستخدم فيها المنابر الإعلامية كوسيط في هذا الخداع، مستغلين ضعف تمويل ممثلي الطبقة العاملة والحصار الإعلامي لهم، وهذا كله يخلق حالة تراكمية من انعدام الثقة المفرط بين الجماهير وهذه النخب، تتحول إلى حالة من الفوضى في وقت الأزمات.

كما أن حسابات رأس المال التي تُؤخر الكثير من القرارات الصائبة وتفرض قرارات أخرى غير متناسبة مع حجم الكارثة خوفًا على الأرباح، تزيد من عنف الأزمة وعمقها، لك أن تتخيل أن يساق العمال في كثير من الدول الرأسمالية لمواقع العمل وقت الوباء للقيام بأعمال كإنشاء العقارات والكباري والطرق وإنتاج المواد الترفيهية بحجة الخوف على الاقتصاد من الانهيار غير مبالين بصحتهم وحياتهم، وغير مبالين بما قد يسببه هذا من انتشار وتفش للوباء.

قد يكون مقبولًا مثلًا أن يستمر العمل لإنتاج الأغذية والأدوية وأدوات الوقاية من العدوى وأجهزة التنفس الصناعي في هذا الظرف، ولكن العقارات والطرق والكباري؟!

إن هذا الشكل من أشكال الديمقراطية رغم وجود تنظيمات جماهيرية داعمة له إلا أن به العديد من المشاكل الهيكلية النابعة من التناقض الرئيس سالف الذكر، وهذه المشاكل تتبدى بمنتهى القوة في وقت الأزمات، مثل أزمة كورونا، في حالة الشلل التي يصنعها داخل المجتمع نتيجة الميراث طويل من تقييد حركة المبادرات الشعبية والإدارة الذاتية لصالح التمثيل الانتقائي من قبل رأس المال داخل البرلمان والرئاسة، وهو ما يفسر أيضًا عدم التزام الكثير من الشعوب بالدول الديمقراطية التمثيلية، بنسب متفاوته، بالحظر والحجر الصحي وغيره من الإرشادات، فهذا ناتج عن الميراث الطويل من النخبوية وإعدام المبادرات الشعبية لصالح النخب الحاكمة كما ذكرنا آنفًا، كما أنه ناتج أيضًا عن سنوات وسنوات من تجهيل الجمهور وفصلهم عن كل ما هو سياسي بحجة وجود ممثلين لهم يقومون عنهم بهذا العمل.

وتجدر الإشارة هنا إلى وجود تفاوتات بين الدول التي تتبنى هذا النموذج من الديمقراطية مرتبط بالتطور التاريخي لهذا النموذج لديها، وأيضًا مدى قوة التنظيمات القاعدية للعمال، ولكن يظل التناقض الرئيس المشار إليه سابقًا هو الجذر و هذه التفاوتات هي الفروع.

وللعجب فإن هذا النموذج من الديمقراطية التمثيلية يجعل من فكرة الديكتاتورية مقبولة لدى الجماهير وقت الأزمات، ففي مواجهة ديكتاتورية رأس المال وقت الأزمة واعتياد الجمهور تصوير ممثليه في البرلمان كأشخاص منفصلين عنهم وربما مخلّصين لهم، يصبح من المتقبل لديهم فكرة المخلّص حتى ولو كان هذا المخلّص ديكتاتورًا، واعتماد نظرية المخلّص الفردي للجماهير بديلًا لفكرة المشاركة الشعبية كوسيلة للخلاص الجماعي التي هي بمعنى آخر إنعكاس لفوضى الرأسمالية ونفعيتها وفرديتها في سلوكيات الجماهير، وانعكاس لديكتاتوريتها الطبقية في وعيهم، في غياب طرح ثوري بديل، والملاحظ دائمًا هو تكرار فكرة المخلص في العديد والعديد من أفلام هوليود التي تتناول الأزمات العالمية ونهاية العالم.

وأيضًا في وقت الأزمات مثل أزمة الكورونا ونتيجة عدم التوسع في التمثيل الشعبي في السلطة التشريعية والتخبط بين القوى السياسية المترددة بحكم انتمائها بنسب متفاوتة لرأس المال، يضعف العنصر الديمقراطي والتشريعي والرقابي المنتخب لصالح مؤسسات الدولة الهرمية غير المنتخبة، ولا عجب أن نجد من يقوم بالترويج للنموذج الصيني في أمريكا، غاضين الطرف عن أن النظام الديكتاتوري في الصين هو المتسبب الأول في انتشار الوباء عالميا بمحاولاته التعتيم في البداية على الوباء خوفًا على الاقتصاد، كما أن الاقتصادي الصيني هو الذي خلق أسواق الطيور البرية العشوائية التي نشأ فيها الوباء.

ومن جهة أخرى نجد أن أولويات الرأسمالية تنعكس في المنظومة الصحية، فنجد أن أعتى الدول الرأسمالية مثل الولايات المتحدة لديها 60 مليون مواطن خارج غطاء التأمين الصحي، بل ويصرح ترامب نفسه وقت الوباء أنه ورث نظامًا صحيًا متهالكًا، وحتى على مستوى اكتشاف العلاج قد تجد بعض الحسابات التي تحكمها الرأسمالية، فمثلا بعد انحسار مرض سارس في بداية القرن وعدم وجود تمويل للأبحاث عليه أدى هذا إلى توقف البحث عن علاج له، وكان من الممكن أن يكون هذا البحث مفيدًا جدًا الآن في علاج فيروس كورونا، كما أنه ليس ببعيد طلب ترامب من أحد الشركات الألمانية أن يكون علاجها حصريًا للمواطن الأمريكي ومقابل مال لعلاج مواطني باقي الدول.

وبعد كل ما سبق، نرى أنه على عكس كل التشويه الرأسمالي للديمقراطية من أسفل، فإن هذا الشكل من الديمقراطية والذي يتمثل في تنظيم الجماهير لنفسها في الأحياء ومواقع العمل بما يضمن أكبر قدر من المشاركة الجماهيرية، والاحتفاء بالمبادرة الشعبية مع السيطرة الشعبية على أدوات ومواقع الإنتاج وتوجيهها في صالح المجتمع وليس الأرباح، هو النموذج الأقرب تنظيميا لاحتواء المرض ومنع انتشاره.

 كما أن تجاوز كل عيوب النموذج التمثيلي السابق للديمقراطية، بتفعيل حق سحب المندوبين وربطهم شعبيا وجغرافيا بأقل عدد ممكن ممن يمثلونهم في مواقع العمل والإنتاج، مع تفعيل الدور السياسي والاجتماعي للنقابات والتنظيمات العمالية ومنظمات المجتمع المدني، مع توجيه كافة إمكانات الدولة لدعم العمال والمهنيين والبحث العلمي وليس رجال الأعمال، قادر على خلق ظهير شعبي جماهيري في كل موقع وضمان وجود إرادة جماهيرية حقيقية للسيطرة على الفيروس وتعزيز فرصة نجاة أكبر عدد من البشر من الوباء بمعني آخر، فإن ترجيح كفة الديقراطية على الرأسمالية هو الحل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

خواطر, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد