مدخل:

لابد لنا بين الحين والآخر أن نجلس جلسات صدق؛ نتحدث فيها مع أنفسنا: نحاسبها حساب الشريك لشريكه. نقوم اعوجاجها. ونصوب أخطاءها. ندون عثراتنا على أوراق التأمل بمداد من تجارب. وها أنا ألزم نفسي الصدق، وأدون لكم بعض تجاربي في مجال التربية، أسوقها في خواطر عشر، فخذوا بأحسنها، وأغفروا لي ذللي وتقصيري.

الخاطرة الأولى

إذا بلغك من أخيك ما تكره فقل: والله يا أخي لو أنك جمر تدرج إلى صدري؛ فباشر ضلوعي؛ فأذابها؛ لقلت: جاء ليدفئني، لا ليحرقني. هذا هو حسن الخلق، وتلك هي سلامة الصدر.

الخاطرة الثانية

أنا لا أزعم عدم محبتك لأولادك وخوفك عليهم، ولكن ألا توافقني أن من خاف على من يحب شيئًا؛ حاول جاهدًا أن يقيهم هذا الشيء؟ أوليست النار أحق أن يخاف منها وتتقى على أبنائك؟ تدبرها جيدًا.

الخاطرة الثالثة

التربية، والتصفية، والتزكية، كلمات رقراقة ما أحلاها، وما أعذبها حين تخالط عملًا؛ فتكن واقعًا ملموسًا، وما أحوجنا إليها في هذا الزمان فكم من نفوس تحتاج إلى تهذيب وتقويم وتزكية! وكم من قلوب تحتاج إلى تربية! وكم من عقول تحتاج إلى أن تعبد نفسها لله، وتسلم لله تسليمًا!

الخاطرة الرابعة

من الأخطاء التربوية أن نربي أبناءنا على خشية الناس. «لا تبك أمام الناس..وإلا قالوا عليك ضعيف الشخصية». «ما يجوز لنا». «تقاليدنا». «الناس! ماذا يقولون علينا؟» حتى ولو كانت هذه التقاليد تخالف الشرع؟

تنطع وتكليف للنفس ما لا تطيق، وكل هذا من أجل رضا مخلوق عن مخلوق، ولو اهتم برضا خالقه عنه لكان أفلح وأنجح.

الخاطرة الخامسة

أنت فاشل..أنت غير قادر..أنت كاذب، رسائل سلبية نرسلها لأطفالنا أثناء تعاملنا معهم؛ قد تترسخ في أذهانهم، ونحن لا ندري، وتصبح سمة أصيلة دائمة يصعب علينا علاجها فيما بعد، حاول فقط أن ترسل لهم رسائل إيجابية عن ذواتهم، وأن تزرع فيهم الثقةَ في أنفسهم.

الخاطرة السادسة

إن العصا وجارح القول لا يصنعان إنسًا سويًا صالحًا، قد يصنعان قردًا مدربًا تبدو على حركاته وسكناته مظاهر الأدب. فقط هو التأديب بضوابطه. فاكسُ عصاك الحكمةَ لا ترفعها، إلا في موضعها ولا تضعها، إلا في موضعها فتلك هي الحكمة، وعود لسانك ألا ينطق إلا بلين القول وعذبه، وليس معنى هذا أن نتجاهل دور العصا في التأديب، ولكن حسبك رفعها في موضعها وبضوابطها.

الخاطرة السابعة

حقيقة مؤلمة يشهدها واقعنا التربوي، نحن نحسن التعيير، ولا نحسن التغيير. نحسن التوبيخ والعقاب، ولا نحسن التقدير والثواب، تلفت أنظارنا الأخطاء، وتغيب عن أنظارنا الإنجازات، نجيد اللوم والتبكيت والتعجيز، ونفشل في التعديل والتحفيز.

الخاطرة الثامنة

ولدي يا حلمًا تحويه عيوني.. يا دفتر شعر يغزوني.. حان الوقت.. لأتركك تمشي..

نعم ستسقط.. نعم ستتعثر.. نعم ستقطع .. ولكن عندما ستقف.. ستعلم لماذا تركتك تقع؟

الخاطرة التاسعة

لا تجعل ميلك القلبي واستحسانك لهيئة المتربي ومكانته الاجتماعية ونسبه هو معيار إقبالك وإدبارك عن المتربي، فرب معرض أنت مقبل عليه! ورب مقبل أنت معرض عنه! ونح عنك هواك جانبًا، وأقبل على طلابك، بقلبٍ محب، وصدرٍ محب.

الخاطرة العاشرة

لا تجعل لنفسك أعداء متوهمين؛ فتكن كمحارب طواحين الهواء، وتجلس ليل نهار تسألل لم الأحقاد، وغيرك يصنع الأمجاد؟ بل اسمع، ومرر، ومن نفسك طور. وقل: عندي ما يشغلني عن ضغينة صدرك، وكن سليم الصدر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد