● في الثمانينات اضطر المدرسون وضباط الشرطة للعمل على سيارات «القلع»، سيارة «نص نقل» غير مصممة لنقل الركاب! كوسيلة للنقل، وذلك لضعف الرواتب وتأخر الدولة في الدفع في المتوسط لنصف عام، وعدم وجود وسائل نقل عام للبشر من جهة أخرى!

●● مشروع النهر الصناعي مشروع استعراضي، ليحاكي سور الصين العضيم، درس في عهد المملكة ولم يعط أولية وقتها، رغم أن المواصفات كانت تتم بتكلفة بسيطة كأنابيب ذات قطر نصف متر وليس ستة أمتار، لم يوجد مصنع في العالم ينتجها فاضطروا «لصناعة» مصنع كلف مليارًا لينتج بضعة آلاف من الأنابيب ثم يصبح والعدم سواء، والمشروع كلف عشرات المليارات تم تمويلها غصبًا من جيوب الناس المثقوبة. 

الأهم أن أهم مرحلة في المشروع التي يفترض أن توصل المياه لأخصب الأراضي الزراعية في شرق البلاد لم تدرج من ضمن مراحل المشروع، والتي كان وجود هذه المرحلة يتعدى الضرورة إلى الحتمية لإقناع العالم بأهمية المشروع بحيث تجعل منه ذا جدوى وعائد اقتصادي، هذا لو كانوا أصلا يحترمون شعبهم. 

رغم هذا يظل النهر الصناعي هو مشروع القذافي الوحيد طيلة اثنين وأربعين عامًا بغض النظر عن عدم إستراتيجيته والتوجه العنصري في التخطيط له بحيث تحول إلى نقل مياه إلى منطقة جهنم بحيث تقام مزارع البطيخ «الدلاع» الذي يحتاج لكميات كبيرة من المياه، في الوقت الذي يشتري سكان طبرق، البيضاء، والمرج وضواحيهن المياه بأسعار غالية، ولا يوجد إطلاقًا تزويد بالمياه لهذه المناطق التي يزيد تعدادها عن المليون.

في ليبيا هناك معاهد فندقة وأخرى للزندقة!

طالت جرائم عهد القذافي كل شيء، وحينما نتحدث عنه، فالحديث ينسحب على تابعيه، الذين أفسدوا البلاد وذمم العباد، فكان، وهذا شزر من نزر أعمالهم، أن أنشأَت معاهد وهمية تقام بلا مقرات، وهذا حصل مع شقيقتي التي تم تنسيبها عام 1985 بعد الثانوية العامة لمعهدٍ عالٍ وهمي في طرابلس لا وجود له إلا في مخيلة من يسير الدولة وبعض أوراقها الرسمية، وانتهى بها الحال أن درست بالمرج في معهد المعلمات الصف الرابع، في مخالفة جريئة تحسب لمسئولي المعهد، بدون قرار إلى حين أن تحضر «انفكاكًا» من طرابلس، بعد أشهر سافر الوالد ليحضره، وأحضره، وهناك معاهد أخرى تقام ولكن «تخنصر» ميزانياتها لتذهب «للصحاح» فيما يزداد الفقراء فقرًا، هذا بخلاف المشروعات الوهمية من طرق ومرافق وبنية تحتية التي هي على أوراق التخطيط في طرابلس منفذة والواقع يشهد بخلاف ذلك.

كان راتب من يعمل بالصحراء، في قطاع النفط «الأغنى»، إن كان تعدى الثلاث سنوات، ودرجته فوق العاشرة، يزيد قليلًا عن ألف وخمسمائة دينار ليبي، في الشهر الذي يرابط فيه بتلك الفيافي المقفرة، ويتحصل في فترة الراحة في الشهر اللاحق على راتبه الأساسي «ناشفًا» بلا علاوات صحراء، ويقدر لمن ذكرت بثلاثمائة دينار وخمسين، كانت تستقطع من كل موظف مجموعة ضرائب، مثل الجهاد، وفلسطين، والتضامن والدخل وتقسم لشرائح تزيد بزيادة الراتب، النهر الصناعي، تستقطع ضرائبه بطرق مختلفة من كل أفراد الشعب، بعد كل الخصومات، تأتي ضريبة الدخل العام وهي أكثر من ثلث الدخل للأغنياء الذين يزيد صافي مرتباتهم عن الخمسمية شهريًّا على وجه التقريب.

أما استقطاع الضمان يأتي بعد جمع المعاش الأساسي على علاوة التمييز وعلاوة السكن، والسكن هذه علاوة استخدمها رئيس الوزراء قبل الأخير في عهد المملكة، وقيمتها أربعين دينار للمتزوج ونصفها للعزب، وقتها كانت تؤجر مسكنًا ويفيض أكثر من النصف، واستمرت إلى هذه اللحظة التي أكتب فيها أربعين دينارًا، مقاومة خمسة عقود ونصف، فيما أجار السكن قفز من عشر جنيهات أيام البكوش إلى ثلاثمائة ضعف في عهد قائد القيادة العامة.

هذه نصف حقيقة، والحقيقة الكاملة تؤكد أن الأشخاص المهمين جدًّا مثل النواب يصرف لهم بدل سكن يقدر ببضعة آلاف، وكذلك الوزراء والوكلاء وكبار الضباط والمهمين من العاملين في الدواوين.

أما السفراء فتكون البضعة آلاف بالدولار، فيصبح الرقم أكثر من عشرين ألف دينار بقيمة السوق اليوم، وليس السفراء أو القائمين بالأعمال في اثنين مائة بلد من العالم، هم فقط من يحظوا بهذا البدل سكن، بل يتخطاهم الأمر إلى الدبلوماسيين وغير الدبلوماسيين العاملين في سفارات جمهورية الترفاس والقعمول العظمى، والذين عددهم يلامس خمسة وعشرين ألف موفد، كل مصطحب معه أسرته بالطبع، وهذا يترتب عليه تكاليف إضافية خرافية.

هذا الرقم لا يوجد له مثيل، لا في العالم العربي ولا الغربي ولا حتى روسيا، فقط تسبقنا الولايات المتحدة الأمريكية، ولهواة الأرقام هاهو رقم يثبت التفوق العددي لدولة التحنو والمشواش، من حيث عدد السفارات، وعدد العاملين بها، أما الجودة، فلا تتحدث عنها، ومجمل مصروفات كل موفد تتخطى الخمسة وعشرين ألف دولار شهريًّا.

في أواخر عهد معمر كان يعطى لكل وزير منحة تزيد عن المليوني دينار، قرابة المليون ونصف دولار، لغرض شراء فيلا بمدينة طرابلس!

التسعينيات، بداية الانفتاح وظهور طبقة محدثي النعم!

كان لوالدي موقفه المتشدد حيال اللجان الشعبية بالنسبة لنا نحن أبناءه، وكنا على نهج الوالد نفسه، وكنت عام 2000 في علاقة متوترة برئيس الشركة التي أعمل بها، رغم أني مرشح لدورة خارجية أنتظرتها ثلاث سنين لاحقًا، حتى وصلت موافقة الأمن الخارجي، كنت أبحث عن وظائف إضافية في مجال تخصصي، الكمبيوتر، خاصةً أن سوقه رائجة وقتها، ومنها يوم الخميس، كنت بعد الرجوع من العمل الساعة الثانية نتوجه للمرج لزيارة والداي، وسمعت بافتتاح معهد خاص متوسط للكمبيوتر هناك، فتم استدراجي للحصول على شهادات مني مثل شهادة التخرج؛ أما باقي المصوغات الأخرى يمكن استخراجها بسهولة من الشئون المحلية، التي كانت تسمى سابقًا بأمام المحلة، أو مختارها.

مدراء مخبرين، ومخبرين مدراء!

عام 1999 أتمت لجنة مواجهة أزمة الصفرين آخر اجتماعاتها في طرابلس في فبراير، وكنت عضوًا بها، وحينها لم تك الأجواء ودية مع رئيس الشركة، فقام «بتحنيطي» وذلك بتجاهلي بالكامل، بحيث لا أكلف بعمل، وأقوم بالتوقيع صباحًا السابعة وأغادر لأقوم بتوصيل زوجتي ثم أعود الثانية إلا ربع ظهرًا لأوقع الانصراف.

 أحيانًا كثيرة يوقع نيابة عني فرد الأمن والسلامة المكلف بدفتر الدوام؛ أوقع في مبنى الإدارة الرئيسي في البلاد، رغم أن مقر عملي الأصلي يبعد عشرين كيلومترًا، ولم يكلمني أحد واستمر مرتبي رغم أن مدير الشركة يعرف دبة النمل ويتغاضى بمزاجه أو يتشدد!

اللون الفسفوري، لون للفت الانتباه، أو/و التنظيم!

جاءني زميل عمل عزيز، وآراني جدولًا أعده، وهو يبدأ من الرابعة للسادسة ومن السادسة للثامنة يوميًّا لستة أيام، ولم تك عطلة نهاية الأسبوع وقتها يومين على ما أعتقد، أراني خانتين أو أربع خانات فارغة معلمة باللون الفسفوري الأصفر، وأخبرني أنه لديه وقت فراغ للعمل في هذه الساعات! إن مرت علي فرصة عمل علي أن أحيطه علمًا بها، وجدت أن الرجل بعد ساعات،الدوام الرسمي، يداوم نحو عشرين ساعة إضافية، قيمة الساعة تقع ما بين خمسة دنانير إلى عشرة، ثمن علبة سجائر مالبورو، وبحساب المتوسط فإن ما يحصل عليه يصل إلى 150 دينار أسبوعيًّا أي حوالي 600 دينارًا شهريًّا، عوضته تقريبًا عن بقائه بعيدًا عن الصحراء القاحلة حيث كان يداوم فيها شهرًا بشهر، وما زالت كفة الصحراء أرجح خاصةً في حالته، أقدميته ودرجته!

 جري الوحوش للعيش!

كان يرهق نفسه كثيرًا جدًا ربما ليحافظ على التزامات مالية وصلها براتب الصحراء، عمومًا المعاش هو فقط للمعيشة أو العيش، إن صغر تكيفنا وقللنا طلباتنا وإن كبر، توسعنا قليلًا، لا يوجد أحد حتى لو وفر معاشه كاملًا اغتنى منه.

قانون خمسطاش«لازال إلى اليوم صامدًا يقاوم أعتى العواصف»!

لا أتكلم عن معاشات ليبيا والليبيين، التي كانت بحسب القانون رقم 15 سيئ الصيت الذي لم يُلغَ حتى الآن منذ صدوره عام 1980 بل جرت فيه تعديلات على جداول الرواتب، وفق جدول الرواتب، وفيه راتب الوزير لا يكفيه ربما ثمن سجائره التي يدخنها، إنما أتحدث عن راتب يجعلك تعيش بحد أدنى من الكرامة الإنسانية.

كان زميل العمل ذلك أوفد في دورة لإنجلترا، فتحصل فيها على شهادة معتمدة في اللغة الإنجليزية، وكان دائم البحث عني، ليسألني عن موضوعات تتعلق بالكمبيوتر وأجيبه، وأجده كتلميذ مجتهد يدون بعضها ويؤكد السؤال عن البعض الأخر، لأكتشف بعدما أراني جدوله الفوسفوري أنه متعدد المواهب، بالإضافة لتدريس اللغة الإنجليزية في عدة معاهد خاصة، كان يقوم لدى بعض المعاهد المتطفلة على الكمبيوتر بتدريس مواد نظرية تتعلق بالهاردوير والمكونات الصلبة وأحيانًا برنامج وورد أو بوربوينت.

مازحته ذات مرة قائلًا ماشاء الله أرى جدولك مكتظًا، فقال لي أريد أن أستبدل هذه المادة وأشار إليها في الجدول، بأخرى، ولكن المعهد يشترط علي إحضار بديلًا له، ولن أجد أفضل منك مرشحًا، هذا لو تفضلت بالقبول، وأنا محترم لجهده وعمله على توفير حياة كريمة لأسرته، وافقت وقبلت، فأعطاني منهجًا يبدو أنه أعد في السبعينيات، لكن علي أن لا أمس بشيء من مفرداته وأشرحه كما هو بأخطائه وفظائعه، كون المعهد حكوميًّا. كان معهدًا خاصًّا بالفندقة، وهناك مادة كمبيوتر واحدة والكل عازف عن التعاون معه كون أن به عدد لا يتجاوز أصابع اليدين من الطلاب، ويعطون على كل واحد عشرة دنانير أسبوعيًّا لقاء محاضرة من ساعتين تبدأ السادسة وتنتهي الثامنة إلا ثلث مساء، كان مقر المعهد بالقرب من مصرف التجارة والتنمية خلف بيوت الشباب، ليس بعيدًا عن سكني.

انتهى عهد الطالب الذي يحمل «بوخوصة»، ليحل بديلًا طالب يحمل الكلاشينكوف!

ذهبت لأول مرة، ووجهوني للفصل، وكان هناك رجل ضخم الجسم، أسمر، يلوح بعصا، مؤكد أنها لا تشبه شكلًا عصا موسى التي «1. يتوكأ عليها، 2. يهش بها على غنمه، 3. إلى ما لانهاية له فيه أغراص أخرى»، فهي أشبه ما تكون هراوة رجل بوليس، تبين أنه في كادر المعهد الوظيفي، مازحني قائلًا، أين سلاحك، لا أراك تحمل عصا مثلًا، قلت له سلاحي لساني وشرحي وتعاملي مع الطلبة، فقال لي هذا غير مفيد، إن شاء الله اليوم يمر على خير وفي المرة القادمة لا تنسى أن تتخير عصا «سمحة» وتحضرها معك، حقيقةً كانت بداية غير مشجعة لكنها لم تك مُحبطة مطلقًا. دخل الطلبة وكانوا سبعة طلاب بينهم بنتان أو ثلاثة. فعلا تبين أن من الصبيان منفلتون، عوضًا عن كونهم فقراء جدًا جدًا، وأعتقد أنه من الناحية السلوكية يمكن ربط الفقر الشديد بالعنف الشديد، وهذا ما ظهر وبان بعد عقد، أحدهم سقط منه أو أسقط (عمدًا) سكينا نسميه بالليبي «موس بوخوصة»، لعله يريد اختباري، فالتقطته وكان وقتها يذاع أحد أجزاء مسلسل سوري فيه بطل اسمه الباشق أو لعله أذيع من مدة قريبة وقتها، فخاطبته بالباشق، وتهكمت عليه ما جعله يخجل ويقسم أنه لا يقصد بعد أن ضحك زملاؤه وسخروا منه.

وجدت سلوكًا عدائيًّا حاولت إستيعابه أول دوام، ومع مرور الوقت فرضت عليهم الاحترام وصادقتهم، كان كل أسبوع في نهاية الحصة يأتيني ذلك الأستاذ الأسمر ليسلمني مظروف به سبع عشرات، فهم يدفعون أسبوعًا بأسبوع، ما قمت بتدريسه كان غير مفيد وغير عملي، وليس صحيحًا في ظل التطورات العلمية، لكن الإدارة العليا للمعاهد الخاصة بهم فرضت هذا المنهج «عايزة كده» وهذه المادة إجبارية للتخرج.

مزيد من الإفقار للفقراء، في عهد التحولات الكبرى وهي حقيقة كانت نقلات «طفرة» للبعض!

بعد خمسة أو ستة أسابيع توقف ذلك الأستاذ عن إحضار المظروف الذي به سبعين دينارًا، وبعد أسبوعين سلم لي أحد الطلبة مظروفًا يحتوي أسبوعين معتذرًا عن التأخير، فسألته وما دخلك أنت ومن كلفك بإعطاء هذا الظرف لي؟!

 لم أحصل على إجابة، فذهبت لإدارة المعهد، أخبروني أنه لم يتقدم أي متخصص في الكمبيوتر لشغل الوظيفة، فخاطبوا الإدارة العليا في طرابلس مبدين رغبتهم في التعاقد مع متعاون فوافقت، شريطة أن لايدفعوا درهمًا واحدًا على هذه التعاونات، فاجتمعوا بالطلبة ليخبروهم أن عليهم سداد القيمة من جيوب أبائهم الممتلئة (فراغًا) وكان أن أصبحت مثل المدرس الخصوصي!

 غضبت جدًا من زميلي الذي ربما كان يعرف الحقيقة واعتبرته خدعني حين أخبرني (نصف) الحقيقة، أرجعت ذلك الظرف لإدارة المعهد فورًا، وتعهدت بإرجاع ما أخذت سابقًا، مع مواصلة تعليمي لهم، الذي استمر إلى ما بعد (تصعيدي) أمينًا.

كنت أوصل الشباب الخمسة إلى مفترق سيدي يونس-المحيشي ليلًا، وأعود لبيتي في السلماني الغربي بعد كل حصة أسبوعية.

تعرفوا علي لاحقًا في فندق تبيستي، في لحظات احتجت فيه للمساعدة فاحتفوا بي وكلموا بعضهم، ولم يبخلوا علي بمساعدتهم، بعد عقد من الزمن تقريبًا من تدريسي لهم.

«في الدول المتحضرة هناك الخدمة التطوعية التي كل ساعات منها بمثابة توصية أو تزكية لك، هذه الخدمة تطوعية دون مقابل، خصوصًا للقادمين الجدد لأسواق العمل».

وحين نحكي عن الحضارة لا نتكلم بالإطلاق، فهناك حضارات مادية جامدة، لكنها متهتكة أو كما يقول إخوتنا المصاروة «من برا الله هالله… ومن جوا يعلم الله». لكن جزء من الحضارات تحكمه المظاهر التي نراها والبنيان المادي، والنظام والالتزام، وتظل الأخلاق هي السمة الأكثر تأثيرًا في جوهر الحضارة، والأخلاق شاملة وتُعامل ككل لا يتجزأ؛ نحن للأسف قوم غير متحضرين على الإطلاق وفق هذه المعايير، يضاف إليها مفهوم العدالة الاجتماعية والضمان، والعدالة لا تعني مطلقًا التساوي، بل العدل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد