أمام مضيفة طمس المكياج على ملامحها الأوروبية وعلى جناح طائرة تهتز وتعلو وتهبط كلما اعترتها مطبّة هوائية انتابتني هواجس أشغلتني عن تصحيح كتابي القادم «الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ» وتصويب أخطاء الكتب وتعديلها في الرحلات الطويلة عادة اكتسبتها مؤخرًا. في عمق الفضاء سألت نفسي لماذا أسافر؟ ولماذا أكتب؟ وما العلاقة بين الكتابة والترحال؟ كانت أسئلة بالغة الإيقاع وأدخلتني بحرًا من التساؤلات المتشظية!

أذوب عشقًا وأشعر برد الراحة كلما أحجز تذكرة لوجهة جديدة، نحو قرى صارخة الألوان، أو بلدة تاريخية واهية المباني تغفو باكية على كتف النسيان. إنني أشبه بالطيور أفرد جناحي وأغوص في أعماق المكان أتذوق تفاصيله ونكهته المتفردة، ولا أقبل القفص وملازمة العش، فالطيور تموت بدون الحرية، والمياه تكدر بدون حركة، وكذلك الفكرة تتوقف وتتجمد ثم تتعفن وتكون نتنة كالبالوعات إذا لم يحركها الترحال ولم تشذبها التجارب. في السفر أحمل أفكاري وانطباعاتي عن الزمان والمكان وأحولها إلى نص يعبر عن شخصيتي التواقة إلى اكتشاف العالم بعيون قارئ وحس كاتب. ورغم أن «الكتابة الحقيقية عملية مستحيلة» إلا أنني أمارسها لأنسى الهموم وضغوط الحياة وأشباح الحروب التي تكبلنا وتزدرينا ثم تبعدنا عن تحقيق طموحاتنا وما أبسطها في كنف القتل والإرهاب؛ رغيف خبز جاف، وكوب ماء، ونوم عميق لا تقطعه أزيز المدافع ودوي الانفجارات.

الترحال يعطيني هامشًا من الحرية ومساحة للتفكير، إنه يخرجني من الفضاء الضيق إلى رحاب المعمورة، ومن القوالب الجاهزة للمدن الرمادية إلى حياة متعددة الألوان مختلفة الأذواق، وكلما أبتعد عن دياري يتسع العالم من حولي وتزداد المسافة وأتوغل في دروبه المختلطة بالثروات والثورات والدماء. أسافر لأداوي جروح الحروب بالكتابة، في بلد يغلب عليه الطابع الشفهي ونقل الأخبار والأحداث بالحكايات والقصص والأشعار، وظل الأدب محمولًا على كاهل الأدباء والمثقفين والشعراء الذين لم تتح لهم كتابة إبداعاتهم. «والأدب المحمول» هو الذي لم يرو ولم يكتب، بل بقي قابعًا في أدمغة الأدباء وأفئدتهم حتى رافقهم إلى الأجداث قبل أن يرى النور. وبعد رحيل معظم عمالقة الفن الأدب دون أن يدونوا ما كان يجيش في صدورهم حمل الكاتب الصومالي عبئا ثقيلا وتحديا صعبا يتمثل في إخراج هذا الأدب من براثن النسيان، وهذه مسؤولية تتطلب على قدر كبير من الخبرة والكتابة الجيدة والإلمام لخبايا الثقافة ودقة تقودنا نحو كتابة التاريخ بعيون صومالية، وكلها عوامل تلقي علي وعلى أمثالي من الكتاب ظلالًا من التأمل في ملامح حاضرنا ولمسات ماضينا وخيوط مستقبلنا.

في جميع رحلاتي كانت آهات بلدي المجزأ تصرخ في وجداني وتبحرني في موجات حزن لا ضفاف لها. وطن من إبل وأدب وشرفات مطلة على البحار والمحيطات والحضارات، ومساجد صامدة رغم غزو البرتغال وصدمة الطليان وسطوة الإنجليز وجور الجوار الأفريقي، وشعب حباه الله خصالا حميدة ويتمتع بعقلية جبارة ورغم ذلك يعاني من الحروب الأهلية والتشريد. كانت أسئلة بعينها تلاحقني في الممرات المفضية إلى الغيتوهات، وفي ردهات الفنادق، وبهو الصالات، وعلى ضفاف الأنهار والمدن المكتظة بعتمة الغياب وأطفال ذابهم الحنين، وكنت أحمل همّ الأطراف (جيبوتي وأنفدي) الذين أخشاهما من الذوبان الثقافي، كما كنت صوتًا للصومال الغربي (أوغادين) التي لم تجد اهتمامًا إفريقيًا وعالميًا وتأييدًا من المنظمات الحقوقية والإنسانية لكون إثيوبيا تعتبر رأس الهرم في الاتحاد الأفريقي سياسيًا، ولأن الأفارقة لا يتصورون دولة محورية أفريقية تحتل إقليمًا أفريقيًا يطالب استقلاله كانوا يهمشون الصوت القادم من أعماق المحرقة، بل كانوا يرون الحركات التحررية في الإقليم جبهات انفصالية يجب معاقبتها ومحاصرتها. كنت أتتبع خيوط الحكايات، وعيون الأدب والشعر، وقصص بطولية تنتظر من يكتب ويروي، وأحاديث مدن ما زالت تمد يديها للكتاب والباحثين من أجل الغوص في جذورها التاريخية. شحوب القلاع الأثرية تبكيني، وشوارع المدن المنكوبة تطبع على مخيلتي قصصًا حزينة، أين سكانها؟ لماذا ذابت ملامحها وشاخت ابتسامتها؟ هجر السكان ولم يبق فيها سوى بيوت خاوية وطرق لا يسلكها أحد. تبدو البلاد عند هجرة أبنائها كما لو كانت خالية من الحياة منذ الأزل، سكون رهيب يطبق على الأحياء، وفي ظل المليشيات الإرهابية والحكومات الفاشلة باتت الحياة حلمًا صعب المنال.

أتهرب من غربة تقتلني في عقر داري، وبريق عيون المسافرين وملابسهم الممزوجة بالعرق والسهر تعطيني إكسير الحياة. تؤنسني رومانسيات الأدب، ويسحرني الفضاء بعظمته، والصحراء بصفائها ومتاهاتها، وصوت العندليب يدغدغ مشاعري، وأمواج البحار تمنحني شذرات من الجمال، وانسيابية الطبيعة تنسيني بؤس الصراع وقتامة الحروب، أضيع هائمًا في أحراش القارات. إنني أبحث عظمة الخالق في آياته الكونية، في أفول القمر وبزوغ الشمس وشفق المغيب، وتناثر النجوم في كبد السماء.

أسعى سائحًا ومتأملًا تداهمني النوم في الطرقات الوعرة، وينتابني الخوف على مشارف المداخل الحدودية، وربما أتضور جوعًا وأنا لا أعرف لغة القوم ولا أستسيغ طعامهم، وكثيرًا ما أخذ قائمة الطعام أتفحصها على مهل وأختار طبقًا لا أعرف مكوناته! وعند إحضاره تباغتني ريحته النتنة، أو طعمه المقرف، وربما يكون كراعًا أو أمعاء أو بطنا محشوًا بالفلافل والبهارات وهذا مما لا يأكله صومالي بدوي وإن طبخت بألف نوع ونوع. كثيرا ما تجمعني قاعات المطارات مع مسافرين توحدنا الوجهة ويقسمنا الهدف والانتماء وربما العقيدة وكذلك اللون، ورغم ذلك الطيبة الوادعة في قلوبهم لا تنضب أبدًا، وجمالية البشر لا تختفي وإن تمادينا في أتون المدنية الرأسمالية التي حولت الأشخاص إلى أرقام ومجرد سلع في الأسواق، واغتالت القيم النبيلة وكرامة الإنسان. ابتسامة مختنقة لعابرة تهرول نحو طائرة مغادرة، أو غمزة دافئة لسمراء في الكرسي المقابل، أو لمحة صبي غارق بالبراءة وربما البكاء، أو لقاء مع مثقف تمنحني جرعات من الحيوية والنشاط.

في رحلتي الأخيرة كان بجانبي أمريكي أشقر باهت الوجنة دافئ العينين مدور الرأس يبتسم بسعة موغلة في الثقافة الأمريكية المرحة، جاء من ولاية غارقة بالبرودة أطلق عليها الأمريكيون «نجم الشمال» وأطلق عليها الصوماليون «ثلاجة العالم» بعدما أصبحت وطنًا بديلًا لهم. درس الهندسة المدنية دون أن يكابد عناء البناء ومشقة المقاسات ورسم الشرفات على الأوراق، بل دلف إلى ممارسة هوايته المفضلة وهي الموسيقى بأنواعها، حتى أصبح بارعًا في المقامات الموسيقية، وذاع صيته كملحن ومغني يدير مدارس منتشرة على ربوع العالم تدرس الموسيقى للبراعم.

لمسات الفن كانت واضحة على كلامه وأفكاره. تحدثنا عن الفن والموسيقى التي أحبها ولا أتقنها وسألني ومرارة السؤال تقطر على كلماته لماذا العالم مليء بالصراعات والدماء ولغة القوة؟ ولماذا لا يتذوقون الموسيقى التي تستطيع أن توحدهم وتضمد جراحهم؟ وبعد حديث دام ساعة أخبرته أن زوجتي تعيش في ولاية مينيسوتا الأمريكية. فغر فاهه بدهشة! وقال وقد اتسعت عيونه وكادت أن تخرج من محاجرها إذن لماذا لا تزور أمريكا؟ ستعجبك أقوى وأغنى دولة في العالم. قلت وذكر الشريكة أثار شجوني لعنة الأوراق يا ريتشارد! فالأوراق التي تسمونها «جواز السفر» ونسميها نحن أوراق العبودية في القرن الحادي والعشرين أغلقت المنافذ وحشرتنا في أضيق الزوايا! ولكن يا ريتشارد لماذا تكبلنا الأوراق وتحدد حرياتنا؟ لماذا تعطي مجموعة من الأوراق شخصًا حرية مطلقة يتجاوز الحدود وتقف له الجنود وتستقبله المطارات بالابتسامة والترحاب؟ بينما البعض يعاني من الحرمان والمضايقات والتمييز العنصري؟ ألسنا بشرًا متساوون في الخلقة والكرامة؟ قطعتْ المضيفة كلامي حول الجنسية والأوطان بابتسامة باهتة، وبعد برهة أغمض عينيه بامتنان وأخلد إلى الكرى غير آبه بثرثرتي!

في رحلاتي المتعددة تجولت في بلدان أفريقية تشبهني وأنتمي إليها وتركتني بعض الأحياء ذكريات لا تنسى، واستغربت عندما عرفت أن معظم الأفارقة يحملون اسمين مختلفين. اسم ينبع من التراث ومن الثقافة المحلية يستخدمونه في البيوت والأفراح والحب والحياة اليومية، وآخر كولونيالي لا يمت بصلة إلى هويتهم الأفريقية، بل يستخدمونه في الأوراق الرسمية والدوائر الحكومية، وهذه كارثة تدل على أن ثقافة المحتل ترسخت في أفريقيا حتى تغيرت معتقداتنا ومبادئنا وهوياتنا.

وكذلك جمعتني الحياة مع بعض الشعوب الآسيوية وحياتهم الممزوجة بالجد والجشع أيضًا. وتعرفت على الشعوب والدول العربية التي تربطني بهم روابط أعمق وأصلب من جميع الروابط حتى تلك التي تربطني بأفريقيا كشعوب، ولا غرو فعلاقة الصومال بالعمق الأفريقي بدأت عند بزوغ الدولة الحديثة، بينما علاقة العرب قديمة ومترسخة في الوجدان والحس الجمعي للصوماليين، ولا أدري لماذا الأجداد لم يكوّنوا علاقة صلبة مع الأفريقيين الذين يحملون ملامحهم؟ ولماذا انصهرت جميع الهجرات العربية والفارسية إلى الصومال في بوتقة واحدة؟ ولماذا لم يستطيعوا تغيير اللسان الصومالي مثلما غيّروا ألسنة الدول الأفريقية العربية؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات