1. واقع
هناك حادثة مشهورة حدثت قديمًا حيث علق بعض الرجال في جزيرة بدون إمدادات أو ما يكفي لنجاتهم ومع نفاد الوقت ومايكفي لبقائهم أكلوا زميلًا لهم! وبعد إنقاذهم سلموا أنفسهم واعترفوا بالجرم دون أدنى شعور بالذنب فهم فقط فعلوا ما يحتم فعله ليبقوا، هناك حوادث كثيرة مشابهة تعالى الجدل في نقطة فيها تحديدًا: هل ما ارتكبوه يعتبر عملًا أخلاقيًا؟ أعتقد أن السؤال خلق لنا مسارًا أعمانا عن سؤال أهم وأكثر إثارة للقلق: هل جزءًا مما أرتكبوه عمل إنساني؟ نجلس هنا في سريرنا الدافئ نمارس هوايتنا المفضلة في الحكم على الأشخاص والمواقف من أماكن أكثر هدوءًا ووفرة، لا نتخيل أننا قد نقع في مأزق مجنون يجبرنا على ارتكاب أفعال تجاريها جنونًا.

 

البشر مصممون في الأساس ليبقوا لا ليمارسوا الأخلاقيات، حتى الكثير من الأخلاقيات وجدت لنبقى، كلما هدد بقاءنا كلما ازداد الإنسان شراسة ليظل، هذا نداء الأجداد ومصير الأحفاد، لذلك تتمثل الجنة على الأرض بالنسبة لي في الوفرة والرفاهية، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل ما يشبع حاجاتنا الأساسية والجمالية، كل ما يكفي للحب والتسامح.

بهذه العين أرى واقعنا، مليء بالفقر والقهر وهدر الهويات، أصبحنا في صراع بقاء لتلبية حاجتنا الأساسية من عمل وزواج وكهرباء لا تنقطع، صراع لا نستطيع حتى التعبير عن تذمرنا منه في دولة تحكمها العين والعصا، ودولة استضعفتهم فلا تستطيع فيها أن تكون مختلفًا في الرأي والهوية فقط لأن المقهورين لا يتسامحون، فقط ليشعروا أنهم ليسوا مستضعفين كليًا.

 

 

2. تأقلم
عندما هبط آدم من الجنة انشغل في ورق التوت والبحث عن مأوى ومأكل وانشغلنا بتأمل عاقبة تحدي أوامر الرب وشيطان حواء وتجاهلنا نقطة غاية في الوضوح والأهمية: ربما هبط آدم بوسوسة حواء، ربما عثر على ورق التوت والمأوى، لكنه لم يكن يستطيع تحمل الهبوط من الفردوس لغابة الأرض بدونها، ربما حلم كثيرًا وحلمنا بعده بالعودة، ولكن إقامتنا أصبحت أكثر احتمالًا ودفءًا بوجودها، الأم، رفيقة الدرب، الابنة.

 

الآن اقبلوا هذا التعميم: كلما ازدادت الأمور سوءًا كلما اقتربنا من رفقاء الدرب وازداد تعلقنا بهم، الأهل، الأصدقاء وذوي القربى، هكذا نجا آدم وتأقلم مع الواقع المخيف، هكذا كان نداء الأجداد في أرواحنا المرهقة.

 

العلاقات الإنسانية جذورنا في هذه الأرض.

 

3. حب وكره
“الوطن ليس فندقًا نغادره عندما تسوء الخدمة، سوف نبقى”

 

لطالما كرهت هذه العبارة، ولطالما حاولت كعادتي أن أعيد صياغتها في إطار ساخر ولكني فشلت، أحيانًا أميل إلى السخرية مما يثير ذعرًا بداخلي لا أجد تبريرًا له ولا أقوي على محاولة تفسيره، كالموت والحب، ولكني الآن أكثر إرهاقًا من الاكتراث علي أية حال: أنا أحب “هنا” وأمقته كالجحيم.

 

في وطن أنت تصارع فيه لتلبية حاجاتك الأساسية ويصارع هو ليمحو هويتك لتصبح رقمًا وخوفًا مجسدًا، تفقد جزءًا من إنسانيتك تدريجيًا، تفقد القدرة على التسامح والتعاطف لأنك أكثر ذعرًا من رؤية اختلاف يثير فتنًا تفرق التحامنا المزعوم في وجه الخطر على الجزيرة. في غابة الأرض، تفقد القدرة على تذوق الجمال من فرط قبح الواقع، تفقد الرغبة في الاهتمام أمام عصا وعين الحاكم، تلتهم الأضعف ماديًا بالاستغلال ومعنويًا بالقهر لتبقى أنت روحًا بانتشاء القوة وجسدًا بما كسبت.

 

لكن يبقى نداء الأجداد منقذك هو معضلتك في ذات الوقت، فما جعل العيش أكثر احتمالًا هو ما يجعل الهروب الآن أكثر صعوبة، جذورنا هنا، والإنسان لا ينتقل ببساطة من مكان لآخر بل ينتزع انتزاعًا من جذوره، الأهل والأصدقاء والذكريات، إذا هربنا حفاظًا على إنسانيتنا، هل ما تبقى دون ذلك يكفي لصنع إنسان؟ وهل ما تبقى منا هنا يكفي ليتذكرونا؟

 

4. أنا كنت عايز أفضل
على السواحل الإيطالية عثر على رسالة شاب مصري بسيط بعد تحطم مركب هجرته غير الشرعية كتب فيها “أنا كنت عاوز أفضل معاكي إوعي تنسيني بحبك أوي، نفسي متنسينيش .. سلام يا حبيبتي”.
مازلت أحتفظ بتلك الرسالة، ومازالت تثير بداخلي خواطر الغربة هذه. الوطن ليس فندقًا نغادره عندما تسوء الخدمة، لكم كنت أتمنى ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سفر, مجتمع, مصر
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد