مقدمة

إن التحولات التي عرفها مفهوم الأمن بعد الحرب الباردة برزت إسهامات مدرسة كوبنهاجن التي أعطت تعريفًا أوسع لمفهوم الأمن ليشمل بذلك أبعادًا غير عسكرية كالإرهاب، الجريمة، الهجرة وغيرها.

من بين صور الأمن غير العسكري نجد الهجرة، التي تحولت إلى مسألة أمنية منذ فترات الأخيرة أين أصبح يُنظر إليها على أنها مصدر يهدد هوية المجتمع. وتصبح الهجرة قضية أمنية من خلال بناء صورة ذاتية للواقع أي بناء وتصور اجتماعي له.

الربط بين الهجرة والأمن يفرز إحدى القضايا الأخرى وهي العلاقة بين الهجرة والتصادم الحضاري والأمن كما يرى بوزان:

«من الأرجح أن يصبح الأمن الاجتماعي مسألة أكثر أهمية مما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة في العلاقة بين المركز والأطراف، وذلك عبر مسألتي الهجرة والتصادم بين الهويات الحضارية المتنافسة».

التهديد الأكبر الذي تحمله الهجرة الآتية من الأطراف هي التي تمس الأمن المجتمعي للدول التي تتجه إليها وهي دول المركز، خاصة ما يتعلق بهوياتها وقيمها. بالتالي لم يعد التهديد العسكري وحده من يهدد أمن الدول بل هناك صور ذات بعد غير عسكري تبرز في بعض الظواهر الاجتماعية كالهجرة.

منطق أمننة الهجرة فرض توجه الدول إلى اتباع أساليب صارمة لمراقبة حدودها، وحولت المهاجر غير الشرعي إلى إنسان خطير لا بد من مراقبته من أجل الحفاظ على هوية المجتمع وخصوصياته، ما يعني أن الهجرة من خلال هذا المنطق الجديد أصبحت أحد أكبر التحديات التي تشغل مساحة النقاشات السياسية، وأحد اهتمامات الأحزاب الكبرى في دول الاستقبال خاصة الدول الأوروبية.

أصبحت الهجرة غير الشرعية ترتبط بأمن الحدود وهو أحد أهم العناصر التي يعتمد عليها الأمن القومي من أجل حماية المجتمع ومصالحه، هذا الوضع أثار الاهتمام والقلق الشديدين لدى الدول ما دفعها إلى إعادة تقييم وتغيير قوانين وقواعد أمن الحدود المتبعة لديها، وعملت على تطوير وتطبيق خطوات وسياسات أمنية أكثر صرامة وقوة على انتقال البشر عبر حدودها، من أجل منع التهديدات والأخطار التي تنجم عن هذه الحركة.

ونظرًا إلى المخاطر التي تنجم عن ظاهرة الهجرة غير الشرعية عمدت عدة دول إلى تجريم الظاهرة وأمننتها خاصة الدول الأوروبية وذلك من خلال ربطها بعدة مخاطر أمنية أخرى. هذا الوضع جعل الجزائر تعمل بدورها على تجريم الهجرة غير الشرعية.

القانون الجزائري يجرم ظاهرة الهجرة غير الشرعية من خلال قانون 25 يونيو (حزيران) 2008 المتعلق بشروط دخول الأجانب إلى الجزائر وإقامتهم بها وتنقلهم فيها، يركز هذا القانون في تجريمه للهجرة على حماية مصالح تتعلق بحفظ النظام العام، وهذا ما يحمي الحدود من أنشطة الشبكات الإجرامية.

من خلال إصدار هذا القانون الذي يجرم الهجرة غير الشرعية نجد أن الجزائر تكرس بدورها منطق أمننة الهجرة عبر هذا القانون، وهو ما يؤكد أن الهجرة أصبحت هاجسًا أمنيًا تتخوف منه الجزائر كغيرها من دول العالم كدول الاتحاد الأوروبي.

1- دوافع الهجرة غير الشرعية في أفريقيا ومن سوريا

تتسم ظاهرة الهجرة غير الشرعية بتشعبها وتعدد أبعادها ودوافعها، إذ تتحكم فيها عدة عوامل سواء كانت عوامل الطرد، الجذب أو المساعدة لها. هذه العوامل تكون إما مرتبطة بالمنطقة الأصلية للمهاجرين (منطقة الأصل) أو عوامل مرتبطة بمنطقة استقبال المهاجرين (منطقة الوصول) أو عوامل مرتبطة بدول العبور. كل العوامل متداخلة وتؤثر كلها في هذا الحراك البشري عبر الجزائر إلا أن هناك عوامل أخرى ساعدت على تحويل الجزائر إلى دولة عبور ومحطة استقبال سواء كانت تتعلق بدول المصدر أو ما يتعلق بالجزائر نفسها.

وتتمثل أهم العوامل المتحكمة في هذه الظاهرة فيما يلي:

ا- الدوافع الاقتصادية والاجتماعية

من خلال مراجعة النظريات المتعلقة بتفسير حركة الهجرة، نجد أن النظريات الاقتصادية تفسر هذا الحراك بناءً على عوامل اقتصادية سواء تعلق الأمر بالانقسام العالمي إلى دول مركز ومحيط، أو ما يتعلق بعلاقات التبعية بينهما، أو ما يتعلق بالعجز الاقتصادي في الدول المصدرة للهجرة كالفقر والبطالة وغيرها من العوامل الدافعة للهجرة، والعوامل الاقتصادية نفسها فيها عوامل الطرد وأخرى للجذب.

وتعد العولمة كعامل أدى إلى تفاقم الهجرة خاصة في العقدين الأخيرين، نعني بالعولمة عمومًا ظاهرة اقتصادية، سياسية، تقنية، معلوماتية وتاريخية ظهرت لإحكام السيطرة على العالم بأسره ولصالح القوى ضد مصالح الأطراف المُسيطَر عليها.

لقد برزت العولمة نتيجة للواقع الاجتماعي والاقتصادي للرأسمالية العالمية، بالتالي فكل العوامل الاقتصادية الأخرى يمكن ربطها بالعولمة وعلاقتها المباشرة بالفجوة التي خلقتها، بين العالمين الشمالي المتطور والجنوبي المتخلف. فمن خلال تعميم نظام العولمة تجسدت قوى مهيمنة على الاقتصاد العالمي وبرزت احتكارات كبرى للتكنولوجيا والأسواق وتكرست المنافسة في الأسواق العالمية، وهذا أدى إلى انعكاسات سلبية على الجنوب، الذي يعاني في الأصل من وضع اقتصادي واجتماعي حساس خاصة وأنها تحولت إلى أسواق مفتوحة للمنتوج الشمالي، الأمر الذي أدى إلى انهيار اقتصاداتها أمام تيارات العولمة وارتفعت معها تكاليف المعيشة بدول الجنوب النامية وعجزت عن ضمان ضروريات السكان خاصة فئة الشباب، وهو ما دفعهم للبحث عن عن واقع آخر يبدأ بالانتقال غير الشرعي إلى دول جعلت منها العولمة أقطابًا اقتصادية مزدهرة تجذب إليها المهاجرين.

فالعولمة كنظام ساهم بخلق أوضاع مزرية خاصة في الدول النامية ومنها الأفريقية،التي تجتمع فيها كل أشكال التخلف فقد تعمم فيها الفقر واستفحلت البطالة كمخلفات للنظام المعولم.

شهد العالم في نهاية القرن العشرين من القرن الماضي في ظل العولمة أزمات متعددة أربكت دول العالم الثالث، فقد حدثت هزة النفط في السبعينيات، وعانت المجتمعات من الركود الاقتصادي في الثمانينيات بسبب المديونية الخانقة والأزمات المتتالية، وظهرت نزاعات عرقية ودينية وسياسية في مناطق مختلفة من العالم واستسلمت حكومات الدول النامية لشروط المؤسسات المالية العالمية، إذ جاءت تكلفة التصحيح الهيكلي للمؤسسات الاقتصادية لهذه الدول باهظة. فظهرت الاضطرابات الاجتماعية وعمت الاحتجاجات، لأن التوسع العالمي لقوى السوق الذي فرضته العولمة شرد الملايين من البشر في العالم كله وأصبح الناس يعانون يوميًا من تفاقم البطالة، تعمُق الفقر، عدم المساواة، انهيار أنظمة المساعدات الاجتماعية وعدم الأمان في المستقبل. وهو ما يدفعهم للهجرة غير الشرعية بحثًا عن واقع أفضل.

أدى نظام العولمة الذي شهده العالم إلى خلق فوارق اقتصادية بين الشمال والجنوب وعمّق الهوة بين هاتين المنطقتين من العالم، مخلفًا بذلك ظروف ضغط اجتماعي خاصة داخل البلدان التي تعاني الفقر. هذا الأمر يدفع ببعض الأشخاص لأن يخاطروا بحياتهم، ويحاولوا بطرق بسيطة عبور الحوض المتوسط للالتحاق بالضفاف الأوروبية.

من بين الفوارق الكبرى بين العالمين والتي استفحلت في إطار نظام العولمة، الفروق في الأجور بين العمالة في العالمين، هذا ما يؤدي إلى انتقال العمال في المناطق التي تكون فيها الأجور منخفضة إلى المناطق التي تكون فيها الأجور مرتفعة.

العولمة كنظام كرس انقسام العالم إلى دول محتكرة لكل الإمكانات الاقتصادية ودول نامية تفتقد مجتمعاتها لكل الضروريات، الأمر الذي أدى إلى تعميم عدة مشاكل اقتصادية أمنية واجتماعية. فالعولمة التي زادت من الهوة بين العالمين زادت من فقر الفقراء وتبعيتهم لعالم الشمال المحتكر للسوق العالمية كما أشارت إلى ذلك نظرية التبعية، الأمر الذي دفع بأبناء الدول الأقل تطورًا للبحث للانتقال إلى الدول المتطورة بشتى الأساليب من بينها الهجرة غير الشرعية.

ب- غياب الأمن الوظيفي في مقابل الانفجار السكاني

تعد البطالة وتناقص فرص العمل سواء في صفوف غير المؤهلين أو للحاملين للشهادات الجامعية من بين الأسباب التي تدفع إلى البحث عن مناصب العمل في دول الشمال، فمعدلات البطالة في الدول الأفريقية جنوب الصحراء مرتفعة وما زاد من ارتفاعها هو التزايد السكاني الذي يفوق النمو الاقتصادي بهذه الدول.

من بين العوامل التي تؤدي إلى استفحال البطالة، هو النمو السكاني الكبير الذي يفوق النمو الاقتصادي في أغلب الدول الأفريقية. فلقد أوضح تقرير التنمية البشرية 2016 أن عدد سكان العالم سيرتفع بمعدل الثلث على مدى العقود الأربعة المقبلة، وسيكون أكثر هذا النمو في الدول الآخذة في النمو وهذا الوضع سيفرض حركة نحو البلدان التي تتوفر فيها مناصب العمل، وهي البلدان التي تعاني بدورها من نقص نسب المواليد، هذا الوضع يخلق عدم التوازن بين العالمين وهو ما يؤدي إلى الدخول في مرحلة تتميز بزيادة حركة الهجرة بكل أنواعها.

وبلغ عدد المهاجرين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إجمالًا 23.9 مليون، 38 في المائة منهم يعيشون في بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وقرابة 31 في المائة يعيشون داخل المنطقة. وكانت أكبر بلدان مُصدِّرة للمهاجرين هي الضفة الغربية وقطاع غزة، وسوريا ومصر والمغرب والعراق. واستقبلت المنطقة 11.7 مليون مهاجر ومغترب، معظمهم من الأردن وإيران ولبنان وسوريا وليبيا. وبلغت التحويلات الوافدة إلى المنطقة 52 مليار دولار في 2015.

ج- العجز الاقتصادي الأفريقي وتفاقم الفقر

يتميز الواقع الاقتصادي لأغلب الدول الأفريقية جنوب الصحراء بضعف هيكلي، وهو الأمر الذي ساعد على زيادة المهاجرين فرارًا من هذا الوضع المتدهور. يعود هذا العجز إلى عدة عوامل أبرزها عوامل تاريخية، ويبرز ذلك في حركة الاستعمار والاستيطان الأوروبي والحروب التي اشتعلت بين القوى الأوروبية في هذه القارة، لعدة سنوات من أجل السيطرة على مواردها وثرواتها. هذا التنافس ترك آثارًا لا تزال تعاني منها القارة التي بقيت تابعة للدول الاستعمارية هيكليًا إذ تعاني من عجز في المنافسة أمام المنتجات الأوروبية التي غزت أسواق هذه البلدان.

علاقات السيطرة التي تكرست منذ الحركة الاستعمارية لا تزال آثارها باقية تتجسد في علاقات التبعية التي تربط الدول المتقدمة بالدول النامية.

من بين مظاهر العجز الاقتصادي الذي تعاني منه بعض الدول الأفريقية، نجد قلة الاستثمارات إذ يعاني مجال الاستثمارات في أفريقيا من عدة عوائق، تجعل الدول الغنية تنفر منها فهي القارة التي ينظر إليها على أنها منطقة يسودها التخلف، الفقر، الأمراض، الحروب، الصراعات العرقية، وانعدام البنى التحتية. فالفساد وعدم الاستقرار يمثلان عقبتين قد يتعذر تجاوزهما لتحقيق التقدم الاقتصادي، وبالتالي تبقى أفريقيا سوقًا غير مستغلة رغم أنها تتمتع بإمكانات كبيرة تؤهلها لكي تصبح مركزًا لكبار المستثمرين العالميين، لأنها غنية بالموارد البشرية والطبيعية خاصة المعادن كما أنها أقل المناطق اكتشافًا من جميع النواحي الاقتصادية.

إلى جانب قلة الاستثمارات نجد أن من بين المشاكل التي لا تزال ترهق الاقتصاد الأفريقي، مشكلة المديونية وهي من أكبر المشاكل التي تواجه حاضر القارة ومستقبلها باعتبارها تهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني. ما يميز وضع المديونية في أفريقيا أنه الأسوأ وأكبر بكثير من مديونية معظم الدول الأمريكية. لقد لازمت مشكلة المديونية الدول الأفريقية منذ أزمة 1929م وخلال السنوات الأخيرة من القرن الماضي ولقد توجهت نحو التأزم في الوقت الحالي مع تجليات الأزمة المالية لعام 2016م.

أعباء الديون الثقيلة تعوق خطط التنمية في أفريقيا وتعرضها لأزمات سياسية، تتعلق بالضغوط السياسية التي تفرضها عليها المؤسسات الاقتصادية العالمية أو الدول الكبرى في إطار المشروطية السياسية الأمر الذي يقودها إلى أزمات اقتصادية تتمثل في تقلص فرص العمل، تزايد الفقر والبطالة خاصة في صفوف الشباب، الأمر الذي يدفعهم إلى الإقبال على الهجرة غير الشرعية بحثًا عن واقع اقتصادي أفضل تصان فيه كرامته وتوفر له فيه على الأقل ضروريات الحياة.

د- غياب الاستقرار السياسي وكثرة الصراعات بالقارة الأفريقية والحروب في الشرق الأوسط

من بين العوامل التي تدفع بالبشر إلى هجر أوطانهم نجد الحالات التي تتعلق بعدم الاستقرار السياسي ونشوب الحروب والنزاعات المسلحة، من بين القارات التي عانت وما زالت تعاني من حالة الحروب وعدم الاستقرار نجد القارة الأفريقية في العديد من أقاليمها، إذ أصبحت حالة الحروب ميزة ملازمة للقارة.

عرفت عدة دول أفريقية خلال العقود الثلاثة الماضية أنواعًا شتى من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة واسعة النطاق، والتي أدت في بعض الحالات إلى غياب الدولة الأمر الذي يخلق عدم الاستقرار والفوضى وهو ما يدفع إلى الهجرة.

الحروب الأهلية عادة ما تكون سببًا في حالة التدهور التي تشهدها العديد من الدول الأفريقية، لأن في هذا الحال يؤدي عادة إلى استغلال بعض الأطراف الوضع ضد فصائل أخرى.

تؤدي الحروب التي مزقت القارة الأفريقية إلى الهجرة، خاصة الحروب الأهلية التي تعود إلى حالات عدم الاستقرار السياسي، غياب سلطة قادرة على التسيير، كما تعود إلى حالات التبعية التي تربط هذه الدول بالمركز.

الحروب الأهلية والنزاعات القبلية تؤدي في غالب الأحيان إلى تشتيت وتجزئة البلدان وتدمير ثرواتها مثل ما هو حال العديد من الدول الأفريقية جنوب الصحراء، التي تعيش في صراعات طائفية ودمار متواصل كالكونغو الديمقراطية، كوت ديفوار والسودان التي عرفت صراعات في الجنوب إلى جانب الدول الأخرى التي تعرف الحروب، ما يدفع في الأخير إلى عدة هجرات نحو أوروبا وأمريكا بحثًا عن ملاذ أكثر أمنًا.

الحروب والنزاعات تنتشر في عدة أقاليم من القارة الأفريقية وتتسبب كلها في حركة الهجرة. ففي أفريقيا الوسطى نتيجة لما تتميز به من كثرة الصراعات العرقية والإثنية، كالحروب الأهلية. الجرائم في رواندا والبورندي دفعت إلى حركة حوالي 3 ملايين من الأفراد، وكذلك الصراع في الكونغو الديمقراطية وتوسعه في منطقة البحيرات العظمى أدى إلى حراك بشري ضخم في المنطقة مالي والنيجر. نفس الشيء في منطقة شرق الأوسط خاصة في العراق وسوريا واليمن التي تعرف حراكًا بشريًا كبيرًا تأثرًا بالصراعات والحروب التي تديرها أطراف إقليمية ودولية متسببة في هجرة الملايين من سكان هذه المناطق هروبًا من ويلات الحروب والقتل والأزمات المستعصية الحل.

عن أثر الحروب والنزاعات في الهجرة أبرز تقرير التنمية البشرية لعام 2016 أن من أسباب الهجرة لدى بعض الناس هو الرغبة في الحصول على درجة أعلى من الأمن المادي، لأن في حالة الحروب والنزاعات يسمح وضع الفراغ السياسي بأن تزداد التوترات بسبب استغلال بعض الأطراف للتوترات الاجتماعية الكامنة، وهو ما يرفع حجم المخاطر لدى بعض الأقليات. لهذا ففي حالة الانهيار السياسي وفقدان الاستقرار يتشكل الحراك البشري بحثًا عن الأمان، وأدت إلى الهجرة بالرغم من أن الهجرة في هذه الحال لا تخلو من المخاطر غير أنها تحميهم من الخطر الأكبر. كما أبرز التقرير أنه حديثًا يزداد اقتران الصراعات بتحركات السكان الواسعة سواء داخل الدولة أو خارجها، فمثلًا حالة مالي وليبيا وسوريا أين فر الأهالي من مدنهم في أعقاب الهجمات التي دمرت مساكنهم وحياتهم.

تسببت مختلف التوترات والنزاعات التي عرفتها هذه في نزوح موجات هائلة من السكان داخل وخارج حدود بلدهم، لكن ما أثارته هذه الهجرة وبخاصة مشاهد الموت الجماعي غرقًا، زاد من إلحاح الحاجة لإطفاء بؤرة التوتر السورية ومعالجة جذور الصراع الدائر بما يلبي تطلعات الناس وحقوقهم، ليس فقط للحفاظ على من تبقى من السوريين في بلدهم، بل لتوفير أهم الشروط الأمنية والسياسية المشجعة لعودة الجميع كمشاركين في إعادة بناء وطنهم حرًا وكريمًا.

وقد شهدت السنتان الأخيرتان حوادث غرق مراكب عدة لمهاجرين سوريين والأفارقة على الشواطئ الليبية والإيطالية والتركية، بعضها أعلن عنها وبعضها الآخر لم تعرف تفاصيلها أو هويات المهاجرين. وسبق لمفوضية شؤون اللاجئين أن أعلنت أن أكبر مجموعة من المهاجرين الذين وصلوا إلى إيطاليا بحرًا خلال 2013 هم من الجنسية السورية ومختلف الجنسيات الأفريقية.

هـ- سياسات الدول الأوروبية تجاه الهجرة

تعد قضية الهجرة أحد أهم اهتمامات الفضاء الدولي حاليًا، في ظل تنامي الأزمات الدولية في كل من سوريا، اليمن ومالي والنيجر ومن قبلها العراق وأفغانستان، وما لها من تداعيات مختلفة على دول الإرسال والاستقبال، ولقد شهدت سياسات الدول الأوروبية تجاه القادمين إليها، سواء من اللاجئين أو المهجرين القسريين، شبه تحديد في القواعد والسياسات، حيث استقرت على ضبط المجال أمام الوافدين، وتضييق الخناق وفقًا لأطر قانونية ومؤسسية، في ظل الإجراءات المعقدة من أجل الحفاظ على الدولة القومية، ومخاوف الإرهاب. الأمر الذي أحدث انقسامًا ومواقف متباينة على مستوى القارة، وأحدث اختبارًا حقيقيًا لثلاثية الأمن، الهوية، وقيمة الإنسان، حيث تتنازعها الانحياز للديمقراطيات الغربية وحقوق الإنسان في ظل مخاوف موازية تدعو للحفاظ على أمن الدول اجتماعيًا واقتصاديًا وسلامة حدودها، والحفاظ على هوية القارة دينيًا وثقافيًا.

بالإضافة إلى هذا فإنه مع تزايد عدد المهاجرين غير الشرعيين في أوروبا بدأ ربطها بقضايا أمنية خاصة الإرهاب، هذا أدى إلى تزايد عدد الأصوات المنادية لإخراجهم وإبعادهم سواء من طرف الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني. هذا دفع الدول الأوروبية إلى اتباع عدة سياسات تضييقية بهدف التقليل من تدفق المهاجرين، أهمها تعديل قوانين الهجرة إذ بلورت دول الاتحاد الأوروبي ما عرف باسم الورقة الخضراء «green card» التي أصدرها المجلس الأوروبي في 11 يناير (كانون الثاني) 2005م تتضمن أطر السياسة الأوروبية في مجال الهجرة. أهم بنودها تتلخص في أن متطلبات وأولويات سوق العمل الأوروبية هي العامل الأساسي، الذي تعتمد عليه لتحديد نوعية العمال المهاجرين وبالتالي بهذا التوجه فإنها تشجع الهجرة الشرعية فقط لما يتناسب مع متطلبات سوق العمل الأوروبية.

وتشكل أزمة اللاجئين السوريين واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم خلال العقود الماضية؛ إذ تجاوز عدد النازحين داخل الأراضي السورية 8 ملايين، وعدد اللاجئين بدول الجوار 4 ملايين لاجئ يشكلون نحو سدس عدد السكان – علاوة على خسائر اللاجئين في المتوسط التي شهدت ارتفاعًا، من أبريل 2015 إلى 1265 متوفى، يونيو 864، لتصل في أغسطس 2015 حوالي 2365 (1) ويتوزع هؤلاء اللاجئون بين عدة دول؛ أهمها تركيا التي تضم أكبر عدد منهم بواقع 1,9 مليون لاجئ، ولبنان بواقع 1,1 مليون، والأردن بواقع 629,2 ألف، والعراق بنحو 249,5 ألف، ومصر التي تضم نحو 132,4 ألفًا إلى جانب دول أخرى كالجزائر التي استقبلت أكثر من 55 ألف لاجئ سوري إضافة إلى الأعداد الكبيرة من مختلف الدول الأفريقية التي تعيش أزمات الحروب والصراعات والفقر.

كما تشكل العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية منطلقات أساسية لتفسير ظاهرة الهجرة غير الشرعية، إلا أن هناك عوامل أخرى مساعدة تعمل على زيادة وتيرة الهجرة أو تسهيلها، والتي يتمثل أهمها في عامل آخر يتمثل في القرب من أوروبا، ذلك أن بعض الدول تشكل بوابة رئيسية وصلة وصل بين أفريقيا وأوروبا، هذا الموقع الجغرافي لبعض الدول ساعد على تسهيل عملية انتقال الأفارقة إلى الضفة الشمالية للمتوسط فالقرب الجغرافي ساهم في تسهيل الهجرة غير الشرعية ذلك أن الموقع الجغرافي للمغرب العربي عامة جعله يتحول إلى بوابة نحو أوروبا، خاصة وأنه في بعض المناطق لا تتعدى المسافة بين السواحل المغاربية ونظيرتها في أوروبا بعض الكيلومترات، فإسبانيا لا تبعد سوى 14 كلم عن سواحل المغرب، كما أن مقاطعتي «سبتة» و«مليلية» تعتبران مركزًا متقدمًا لأوروبا في أفريقيا، بالإضافة إلى مضيق جبل طارق الذي يفصل المغرب عن إسبانيا ببضعة الكيلومترات، ويعتبر ممرًا أساسيًا للمهاجرين للدخول إلى أوروبا انطلاقًا من إسبانيا وإيطاليا والسواحل الليبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد