أعلم أن من بين القُراء من هو يُحب الأدب بطريقة خاصة، ومحبة الشخص للأدب ليست شذوذًا عن العادة أو فعلًا مميزًا له عن سائر البشر، الناس بطبيعتها الدارجة تحب القصص منذ بداية الأدراك وكثيرًا ما يدندن المرء ويعلو صوته بالغناء أن سمحت له الفرصة، يحاول تقليد شخص ما بواسطة نصٍ ما لم يكن موجود في الأصل، كل ما يُعرف الآن كصورة من صور الأدب هو أمر ليس بعيدًا عن أي إنسان قد تراه.

الشذوذ الحقيقي هو أن يبغض قلبك بيت شعر، أو أن تستحقر محبة إنسان لرواية ما، لأن طفولة المرء تشكله طوال عمره، ومعنى أنك لا تقبل الخيال ولا تغرق فيه، إن لديك طفولة صعبة للغاية جعلت منك إنسانًا يتساءل بلا شعور كيف يمكن لإنسان أن يحب قراءة الروايات، أو مثلما رأى العديدين تعليقات البعض كيف لشباب أمة النبي محمد أن يضيعوا وقتهم في قراءة الروايات وقصص الكلام الفارغ، كلما مات روائي أو شاعر نجد هذا التعليق موجود من أحد شيوخ السوشيال ميديا، بالرغم من أننا يمكننا القول كيف لشيوخ أمة النبي محمد أن يضيعوا وقتهم في متابعة الترندات.

منذ فترة هاجمت بعض الصفحات بواسطة فيلم ثلاثمائة الشهير هذا الجيل، بإعتبار أن الصحابة والنبي محمد عليه السلام حاربوا بثلاثمائة رجل هم أيضًا، ولكن قبل الشروع في المقالات الثلاث في هذا النص، وربطهم معًا، خرج في بدر على أعين البشر ثلاثمائة وتسع عشر رجلًا مؤمنين بربهم وأن لديهم ملائكة منزلين من السماء وجنود لم يروها ونصر من الله، إما ثلاثمائة إسبارطي الذين خرجوا في ذاك الفيلم خرجوا من أحد استوديوهات هوليود، عليكم جميعًا معرفة أن هذا الجيل لا يفكر بطريقتكم البلهاء، إننا حقيقةً نشاهد هذا الفيلم لكي نتسلى، لا لكي نأخذهم قدوة، ولا معركة عسكرية في الحقيقة تستحق أن تصبح قدوة أحد، إن كانت الأمور بتلك الطريقة علينا جميعًا نحنُ بني المشرق أن نتجه إلى أقرب الكنائس ونُقدم على التدين بالديانة المسيحية التي كان يتدين بها هؤلاء الذين أسقطوا هتلر، والذي بالمناسبة كان يسانده أمين الحسيني وفقًا لخطابات السفراء الألمان وسبب نفي الحسيني بعد الحرب حتى موته عام 1977 في مصر.

كُفار لكن عظماء

لا أعلم ماهية العقل الذي ترك محاولة إنسان للطيران وظل يفكر حول هل يُصلى عليه صلاة الجنازة أم يُترك، هنا حقيقةً موضع اختلافي مع الذين يقولون في زمني إن عباس بن فرناس كافر، حيثُ لم يُصل عليه نظرًا لأنه انتحر،اعتقدتُ لفترة طويلة أن المسلمين كان لديهم سعة صدر لتقبل بعضهم البعض، حسنًا يبدو أنهم فعلًا تركوا عباس بن فرناس بلا صلاة جنازة، ولكن ما الفائدة إن صلوا عليه صلاة جنازة أم لا.

اليوم تمر الذكرى السابعة للثورة السورية ونحنُ نسأل على مقاهى المحروسة عن مثل هذه الأسئلة، شاورني أحد الوجوديين حول سبب ترك الله عز وجل السامري بلا عقاب، قتل بني إسرائيل أنفسهم إن كانوا صادقين في التوبة كانت عقوبتهم، من عاش منهم عليه لعنة الله، أما السامري لماذا لا يُعقاب، وقد أقر المتحدث بتلك المؤامرة أن لديه أفكار حول أن ربما يكون السامري المسيخ الدجال.

في ظل وقوف السوريين على حدود بعض المدن والبلاد الأوروبية، يتسائل البعض حول هل الترتيب الصحيح للخلق في حديث كُتب السنة صحيح أم لا، ولماذا يموت آدم في يوم ولد فيه، ويقوم يوم القيامة في نفس الوقت، يندفع البعض في أسئلة لا أدري حقيقةً ما النفع منها، حيثُ قدم لي أحدهم مادة الأعجاز في فيديو يشرح لماذا يُقدم السارق عن السارقة والزانية عن الزاني، بينما في الحقيقة ومن باب الأحكام كلاهما له نفس العقاب، والناس ينتظرون.

أعلم أن هذه الأسئلة ربما لها أهمية في عصر ما، ولكن أود أن أقول للشيخ الذي يعلم سر صلاة الشيوخ على جسد ابن فرناس، والذي يعلم عنوان ومنزل المسيخ الدجال، والسيد الطيب الذي أعلمني ان الرجل الذي يسرق أشد جرمًا من التي تسرق، والتي تزني أشد جرمًا بالذي زنى بها، لدينا اليوم لاجئين على كل ساحل ممكن، ونحن لم نفكر لحظة واحدة في شيئ في مرمى البصر مثل الأزمة السورية، ولم نلقى بالًا لأمر يبدو في زمننا مثل أستمرار اللاجئين، لدي اقتراح، ابعثوا لي السامري وابن فرناس وكل زانية وكل زان وكل سارق وكل سارقة، لعلي بهم أُنشئ شعبًا يحدثني عن اللاجئين، لديهم سوابق تدل على أنهم كانوا يتفاعلون مع زمانهم.

هل كفر الأولون بشكل خاطئ؟

أحب تمثال زيوس، حبي لتمثال زيوس كان عاقبة ما في حياتي في دول الخليج، ترى شباب يتحدثون عن مؤخرة شاب ما قد رحل توًا وشكوكهم حول أنه شاذ، وترى أيضًا هواتفهم تتبادل الأفلام الإباحية طوال الوقت، في بعض الأحيان بعد الصلوات، لكنني أتذكر حينما سألني أحدهم عن ماهية الصنم الذي وضعته خلفية على هاتفي، حينما أصرح عن أنه صورة كبيرآلهة الأولمب زيوس، ينتقلون مباشرةً إلى صراط الله وحسن عبادته.

حقيقةً لا أعلم ما الغريب أن يعجبك تمثال منحوت بهذه الدقة، زيوس له هيئة تبدو عليها الهيبة والذكاء، وحكمته هو وأودين في ملاحم تلك الشعوب، أولهم كان يعاقب هرقل ويترك أبولو يفعل ما يريد لحكمة هو يعلمها، والآخر كان يبتلي ثورًا قدر ما يستطيع حتى حينما تصاب عين ثور ويصبح الإله في عالم الآلهة وقتها فقط يستطيع أن يعتمد عليه وهو ينام النوم الأبدي.

بعد سنوات من وقائع الهجوم علي شخصي لأنني أحب بعض التماثيل – وأحتفظُ بها في مكتبتي – وددتُ معرفة هيئة تلك التي عبدها العرب، في الحقيقة وجدتُ صناديق أسمنتية رُسم عليها وجه فقط، كان العرب بعيدين تمامًا عن مسألة النحت، العرب لم يفعلوا شيئًا له قيمة في الفن سوى تلك الجميلة التي أحبها وهي اللغة، لغتهم فقط وما يمكن أن يُصنع منها كان الفن لديهم، إما غيرها لم يكن سوى ما قد يقدم الأذى لعينيك.

اليوم الحمد لله لم تعد اللغة موجودة، أول الأسباب أننا لا نترجم حيثُ مات من يرثُ ابن المقفع، ولا نفكر لأن الغزالي توغل وتقهقر ابن رشد، ولا نحب الغناء والطرب ونذكر بعضنا البعض أن أهل الأندلس قد سقطوا لأنهم تمتعوا بالعود والموشحات، وليزيد الله الطين بللًا ، إن أمطر الله علينا شيوخًا يستطيع تحريم السطر وتحليل ما يجاوره، حتى وصلتنا مؤخرًا والحمد لله تعالى في السنوات الأخيرة أنباء حول اعتقال عدد من الروائيين لأنهم يزدرون الأديان.

ماذا لو شتم كعب شيخ الأزهر

تخيل معي يا سيدي أن كعب بن الزهير بن أبي السلمى الذي سب عرض النبي صلى الله عليه وسلم، وأهداه النبي صلى الله عليه وسلم بردته الشريفة في قصيدة اعتذر فيها كعب إلى النبي، قد شتم شيخ الأزهر، يتقدم كعب بنفسه إلى بريد الأهرام، لن يقرأ رئيس التحرير في تلك اللحظة سوى كعب بن زهير بن أبي سلمى من أهل مكة، يقوم وينتفض ويوافق على نشر القصيدة مهما كلفه الأمر دون أن يقرأها، حيثُ لن يفهم منها شيئًا لصعوبة اللغة، ولأن المعنى في جوف الشاعر.

حينما تُنشر الجريدة في صباح ذاك اليوم، يقرأ شيخ الأزهر اسم صاحب قصيدة، بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ، ربما يدندن أبياتها ثم يشرع في قراءة القصيدة، حينها فقط يستشيط غضبًا، ويرفع سماعته إلى الجهات المختصة، يبدأ الشيخ المتواضع برؤساء الجريدة، ثم يذهب مباشرةُ إلى النائب العام، حتى يتم القبض على كعب بن الزهير.

كعب المسكين لا يعرف كيف يقود سيارة أو يطلب تاكسي أو يوقف مكروباص، ولكن من بعد الثورة سيمتلك حسابًا على موقع فيسبوك لأن من الصعب أن يعيش يومين دون أن يصل إلى هذا الحد من التعايش مع العالم من بعد الربيع العربي، نجد كعبًا في يد الشرطة وهم يسخرون لأنه كان يحاول أن يهرب منهم بالاستعانة بمجرد جمل مسكين سرقه من سوق البراجيل أو سوق القناطر للجمال.

حينما يمثل كعب بن الزهير أمام القاضي ويسأله عن القصيدة، ربما كعب يزيد عليها ويسب شيخ الأزهر أكثر، ولكن هل حين يقول كعب بن الزهير بن أبي سلمى أنه يرتدي بردة النبي عليه السلام، وأن البوصيري قد رُدت إليه صحته حينما سار على دربه ومدح النبي في بردة البوصيري، ثم أحمد شوقي حينما استعان في محنته بنهج البردة، وراديو أم كلثوم الذي كان يغني تلك الأغنية، وتميم البرغوثي يستنجد بالرسول في بلاء بلاده وينادي النبي ليتعلم منه كيف يصبر على الصهاينة، قد يشفع له، أم أن شيخ الأزهر لا يُهاجم ولا يُنتقد؟ هذا المشهد يدور في مخيلتي كلما سمعتُ أحد شيوخ الأزهر يقولون إنهم يمتنعون عن الرد لأن الضيف قد هاجمهم بشكل غير لائق، أيها السادة ما الشكل اللائق حتى نناقش قضايانا معكم!

نهاية وتعليق

لكل من لديه شك ما بأن هذا الجيل لا أمل فيه، أقول لأحزانكم الدرامية أن تتنحى بعيدًا، أن تسبح إلى النسيان، هناك أشياء ليس سوى هذا الجيل من يهتم بها، التافه الحقيقي في هذا الزمان من ينظر وراءه تاركًا كل هؤلاء على طول خط الساحل، المنتظرين على الحدود، الغارقين الذين يلفظهم البحر المتوسط على الشواطئ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!