هل السينما فن لمجرد التسلية فقط أم أن له وظائف أخرى؟ لطالما سألت نفسي هذا السؤال، فالبعض يتخذ السينما كملاذ للترفيه عن نفسه وتقضية بعض الوقت بعيدًا عن الضغوطات ولكن هل من الممكن أن تؤثر في أفعالنا وتجعلنا نراجع اختياراتنا في الحياة وتهدم معتقدات معينة أو تقويها؟ هناك ثلاثة أفلام شاهدتها الفترة الأخيرة ربما تجيب على هذا السؤال.

.
1- there will be blood

إخراج: بول توماس أندرسون.

حتى وقت قريب لم أكن أتصور أني سأستمتع بأداء أحدهم وهو يقوم بتمثيل دور في فيلم كل هذا الاستمتاع، دانييل داي لويس في هذا الفيلم لم يقدم لنا شخصية عادية في فيلم تشاهدها ثم تنساها، بل إنك تظن في بعض الأحيان أن هذه هي شخصيته الحقيقية من فرط الإتقان والجمال.

 

“سيكون هناك دماء” فيلم تدور أحداثه في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، يبدأ الفيلم بشخصية دانييل بلينفيو الذي يقوم بالتنقيب عن البترول في الأراضي وفي رحلته يشاء القدر أن يضع في طريقه طفلًا توفي والده أثناء عمليات التنقيب فيأخذه ليربيه، ويبدأ رحلته للنجاح والثراء. ربما ما يميز شخصية دانييل بلينفيو أنها ليست الشخصية الطيبة التي تنجح رغم الصعوبات والعقبات ويحبها الجمهور من أجل ذلك، ولكن نجدها شخصية برع توماس بول أندرسون في كتابتها وتوضيح التعقيدات النفسية فيها فدانييل بلينفيو لا يريد لأحد أن ينافسه ويكره الناس بشدة لأنه على حد قوله ينظر إليهم أحيانًا ولا يجد ما يستحق الإعجاب ومن الممكن أن يتخلى عن ابنه ويكسر قلبه إذا حاول منافسته.

 

ويوهم الناس أنه سيبني لهم مجتمعًا متكاملًا بينما هو في الحقيقة لا يسعى إلا لمصلحته. هناك أيضًا شخصية إيلاي صنداي رجل الدين الذي يستغل الدين وينشر الخرافات من أجل مصلحته الشخصية ونجد أن بلانفيو يكرهه بشدة ويراه عدوه الأول.

 

هناك بعض وجهات النظر المقنعة التي تقول أن الفيلم إسقاط واضح على صعود أمريكا وازدهارها على حساب البسطاء من الناس وأنها أكثر من يتكلم عن الحقوق وهي أول من ينتهكها وتتعاون مع من تكرههم ومن تعرف أنهم مخطئون من أجل مصلحتها الشخصية في إشارة لشخصية إيلاي. ولكن بعيدًا عن ذلك فالفيلم كإخراج وكتابة وتمثيل من أعظم ما حدث في العشر سنوات الأخيرة وظلم بشدة في عدم فوزه بأوسكار أحسن فيلم في سنته، وبالرغم من حبي الشديد لفيلم no country for old men  الذي فاز في تلك السنة بالجائزة إلا أنني أرى أن there will be blood  كان يستحقها.

 

2-angry men    twelve

إخراج: سيدني لوميت.

اثنى عشر رجلًا غاضبًا، أو كيف تصنع فيلمًا عظيمًا من موارد بسيطة، فالفيلم عبارة عن غرفة يجتمع بها اثنى عشر رجلًا وهم عبارة عن هيئة محلفين لاتخاذ قرار بشأن شاب متهم بقتل والده،

 

فنرى بأن الجميع يتفق على أن الفتى مذنب ما عدا شخص واحد هو الوحيد الذي لديه شك، لديه فقط شك بأنه ربما يكون الفتى بريء ويتتابع الفيلم لنرى ردود فعل الرجال الآخرين فمنهم من يصيبه الشك أيضًا بأن الفتى ربما لا يكون مذنبًا أما البعض الآخر فيكاد يجزم بأن الفتى مذنب، منهم من يرى أن الفتى مذنب والدافع وراء ذلك هو ابنه الذي تمرد عليه بعد أن قام بتربيته فأصيب الرجل بعداء شديد تجاه الأولاد الصغار الذين لا يقدرون آباءهم ومنهم من يراه مذنبًا نتيجة لجهله ولأنه يحب أن يتبع الأغلبية ومنهم من يفعل ذلك لضعف شخصيته وإلى آخره من آراء مختلفة، في إسقاط واضح على ردود الأفعال المختلفة تجاه أية قضية كبيرة يتم طرحها في المجتمع.

 

يأخذنا المخرج سيدني لوميت في رحلة توضح لنا ردود أفعال العامة تجاه المختلفين عنهم وخوفهم بشدة ممن يحاول أن يخبرهم الحقيقة فهم يريدون اتباع الحقائق المغلفة المريحة. ببساطة الفيلم قد يغير وجهة نظرك تجاه كل ما تأخذ به من مسلمات لأنه ربما ما تعرفه هو جزء من الحقيقة وليست الحقيقة كاملة.
3- أرض الخوف

إخراج: داوود عبد السيد.

من أهم ما يميز السينما أنها تستطيع مشاركة مشاعر معينة وتصور تساؤلات بطريقة محكمة جدًا وهي عبارة عن مزيج من عدة أشياء منها الإخراج والتمثيل والموسيقى والتصوير ليخرج لنا في النهاية فيلم يجتمع فيه العديد من الأشياء التي تهدف إلى تنمية الجمال بداخلنا، في فيلم أرض الخوف يجتمع الإخراج الممتاز لداوود عبد السيد مع الموسيقى العالمية لراجح داوود ومعهم  تمثيل العظيمين أحمد زكي وحمدي غيث، وأظن أنهما لو كانا قد قاما بأدوار كهذه في هوليوود لكانا فازا بالعديد من الجوائز.
يوضح لنا داوود عبد السيد في الفيلم مدى حيرة الإنسان على الأرض وشكه الدائم وخوفه من أن تكون رسالته على الأرض بلا معنى أو قيمة ويكون مصيره العدم وتتضح وجهة نظر عبد السيد في أحد أجمل المشاهد في الفيلم والتي يدور فيها حوار بين أحمد زكي (آدم) وعبد الرحمن أبو زهرة (موسى) كالتالي:

 

آدم: أنا عايز بس أعرف. التقارير مفيدة؟

موسى: معرفش.

آدم: ماتعرفش! أمال تعرف إيه؟

موسى: أنا معرفش حاجة ومش عايز أعرف حاجة.

آدم: أنا لما ابتديت المهمة كنت قادر أشوف كل حاجة بوضوح، كنت متأكد من اللي بعمله، بعد كده ابتديت أحس إن أنا بأشوف الصورة من ورا لوح إزاز، وبالتدريج ابتدت كدة تتكون طبقة زي التراب، لكن التراب ابتدا يزيد لدرجة إن أنا مابقيتش شايف أي حاجة، صورة ضبابية. الذكريات اختلطت مع الأحلام مع الأوهام مع الحقايق وفي الفترة الأخيرة بحلم بكوابيس وأصحى خايف مش عارف ليه! بقيت حاسس إن محكوم عليَ بالوحدة. مش عارف أمسك حاجة بإيديا ولا فيه أرض تحتيا.

 

استطاع داوود عبد السيد تحويل قصة ضابط يتم زرعه وسط مجموعة من تجار المخدرات إلى سيناريو فلسفي عظيم وساعده في ذلك بشدة موسيقى راجح داوود الذي لا يخذلنا أبدًا وتأخذنا موسيقاه في رحلة جميلة هادئة على مدار الفيلم والتمثيل الجميل البعيد عن التكلف لكل من أحمد زكي وحمدي غيث وعبد الرحمن أبو زهرة وحتى سامي العدل. هنا كانت السينما حاضرة لتشاركنا شكنا وخوفنا من مصائرنا وتساؤلانا الدائم عن دورنا في الحياة واختلاط مفاهيم الحق والباطل علينا وعدم قدرتنا على التفرقة بينهما في الكثير من الأوقات.

 

في النهاية الجميل في السينما أنها دائمًا حاضرة لتشاركنا أفراحنا أو أحزاننا أو تصيبنا بصدمة في أحيان كثيرة لتجعلنا نراجع اختياراتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد