تعد الدعوة السلفية من أكبر الكيانات الدعوية في مصر كما أن منهجها القويم المستند لفهم السلف الصالح للقرآن الكريم والسنة المشرفة بدأ ينتشر بقوة خارج حدود أرض الكنانة، لكن في نفس الوقت لا نستطيع أن نمحو من ذاكرتنا عشرات الكيانات الدعوية والإصلاحية التي اندثرت تحت رمال التاريخ.

ولا نقدر أيضًا أن ننسى الإمام الليث بن سعد ذلك العلامة المصري صاحب المذهب الفقهي الرائع الذي ذكر بعض المحققين أنه كان أقوى من مذهب الإمام مالك إلا أنه ذهب أدراج الريح لأنه لم يكن له طلاب ينقلون علمه، فلما لم يأخذ بأسباب انتشار الحق ولم يتعاهد طلابه كما ينبغي مات ومات معه علمه، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن قوة المنهج وحدها غير كافية لاستمرار الكيان الدعوي على قيد الحياة، فما يتذرع به بعض أبناء الدعوة السلفية من أن منهجهم هو الأقوم والأسمى وسينصره الله مهما حدث – ولسان حالهم يكاد يقول بما أن منهجنا هو الأصوب إذا فلننم ونغط غطيطًا – فهذا سوء فهم بشع وقصور في الإدراك، فلا شك أن الله سينصر دينه الحق، ولكن من زعم أن الله سينصر ذلك الدين على يد أبناء الدعوة السلفية إن هم تركوا الأخذ بالأسباب؟

هذا لا يستقيم مع سنن الله، فحكمة الله أبت إلا أن تتنزل الرطب على مريم – التي أوشكت على الولادة وبلغ منها الضعف مبلغه – حتى تهز جذع النخلة، ولا أن ينتصر ذي القرنين – الذي آتاه الله من كل شيء سببًا – حتى يسعى في إيجاد عمل جماعي وتعاون مع القوم – الذين لا يكادون يفقهون قولا– فكلفهم بمهمه وتابعهم فيها ثم أكمل مهمته وبنى السد، والمتأمل للقرآن العظيم يجد أنه دائما لا تتنزل المعجزات الباهرة على الأنبياء – وهم أحب الخلق إلى الله – حتى يأخذوا بالأسباب ويسعوا في نشر الدين الله ويبذلوا ما عليهم فيؤيدهم الله بمعجزاته ولنا في قصة إبراهيم عليه السلام مع النار وموسى مع البحر وقفات ووقفات، وإذا عدنا للدعوة السلفية محاولين تطبيق ما قررناه آنفًا عليها من ضرورة الأخذ بأسباب القوة وتلافي أسباب الضعف لنستشرف مستقبل ذلك الكيان الدعوي الكبير، نجد أن الدعوة السلفية ككيان مؤسسي واسع الانتشار يعاني من ثلاثة ثقوب قلبية قاتلة تهدد مستقبله:

أولها: ضعف العمل النسائي

وثانيها: ضعف الدعم المادي

وثالثها: ضعف العمل الإعلامي

ثلاثة ثقوب خطيرة تمثل خطرًا وجوديًّا على مستقبل الدعوة السلفية، وسنتعرض عبر المقالات القادمة لتوصيف كل منهم ونحاول استنباط طريق النجاة.

أولًا: ضعف العمل النسائي

للأسف الشديد على الرغم من أن غالبية أهل الدعوة في زمننا المعاصر هن نساء وبنات إلا أن الاهتمام بعمل الدعوة النسائي بين أبناء الدعوة السلفية ضعيف للغاية، فلا تكاد تجد عملًا دعويًا نسائيًا منظمًا بشكل مؤسىسي يغطى أغلب الوطن، وإنما لن تجد سوى حالات فردية تبرز أحيانا وتخفت كثيرا،  لكن هل هناك غطاء مؤسسي يجمعهم؟ هل هناك خطة قصير ومتوسطة وطويلة الأمد تضمهم؟ لا أعتقد، ومن العجيب أن تجد انتشارًا دعويًا ونشاطًا جليًا لدى العديد من أبناء وكوادر الدعوة السلفية وخمولا غريبا لدى زوجاتهم وبناتهم، فهل ذلك الخمول يرضي حاجة بعض أبناء الدعوة في الاستئثار بالزوجة بعيدًا عن أي عمل حتى وإن كان دعويا؟ أما أنه عدم استشعار بالمسؤولية مزدوج بين الطرفين؟ أم أنه خوف خفي من قبل الزوج لتفوق زوجته دعويا عليه؟ أم أنه انشغال بالدنيا؟ أم أن الفوضى وعدم تحمل المسؤولية جزء من تكوين المرأة سواء كانت زوجة أو أختا أو بنتا؟ تعتقد أخي الغالي أن الأخيرة هي كبد الحقيقة؟ لا أخطأت، فأنا أعتقد أن كل ما سبق باستثناء الأخيرة هو الصواب.

أتذكر أحد قادة التيارات الإسلامية وهويحكي لي مشهدًا من اجتماع للفاعلات في العمل النسائي للإخوان المسلمين بعد الانتخابات البرلمانية مباشرة، والمسؤولة الأولى عن العمل النسائي تهتف فيهن – بعد أن ذكرت طرفًا من المجهود الذي بذله نساء الإخوان – قائلة: «الجميع يعلم أننا القوة الضاربة في الإخوان المسلمين وأننا المحرك الفعلي والجندى المجهول»، كان هذا توصيفًا دقيقًا للغاية لحال العمل النسائي في جماعة تعد من أكثر الجماعات تنظيمًا وتأثيرًا عبر العقود الأخيرة، فبالفعل النساء في جماعة الإخوان – وحتى هذه اللحظة – مازلن هن القوة المؤثرة على الأرض، والمتابع الجيد للانتخابات البرلمانية 2012 والرئاسية 2013 يلحظ بجلاء أن نساء الإخوان هن من حسمن المعركة الانتخابية في كل منهما، وحتى في مظاهرات الجماعة بعد عزل د. مرسي تجد الغالبية الكاسحة نساء وبنات، وعلى الرغم من بعض الانحرافات الفكرية والسلوكية عند جماعة الإخوان المسلمين إلا أنه يحسب لهم قوة العمل النسائى لديهم مع أن المتصدر إعلاميا هم رجال الجماعة إلا أن كل متابع قريب للجماعة وهيكلها الإداري والتنظيمي يكتشف بوضوع أن الجماعة كجبل الثلج، جزء كبير وضخم مختفٍ أسفل الماء ومسؤول عن ثبات وقوة الجبل – وهن النساء – وجزء صغير بادٍ وطافٍ على السطح وهو رأس الجبل وظاهره – وهم الرجال – لذا فمهما مرت الجماعة من محن لازال بعض الأمل في نساء الجماعة لتصحيح ما اقترفه رجالها من خطايا وأخطاء.

دعونا نعد إلى الدعوة السلفية، تحكي إحدى المنتميات للدعوة السلفية الموقف التالي: «بعد الثورة مباشرة نظمت الدعوة السلفية ندوة كبيرة بقاعة المؤتمرات التابعة للجامعة لتعريف الطلاب والطالبات بالدعوة السلفية ومنهجها، وبالفعل حضر جمع غفير من الطلبة والطالبات متشوقين للاستماع لضيوف الندوة، وتم تقسيم الحضور على قاعتين، قاعة كبيرة للطلاب (على الرغم من أن عددهم أقل بكثير) وقاعة أصغر للطالبات (رغم أن عددهن أكبر بكثير) يرى الطلاب ضيوف الندوة بوضوح ويستطيعيون مناقشتهم وتوجيه الأسئلة لهم بيسر، بينما الطالبات لا يحظين بأكثر من فرصة السماع لضيوف الندوة عبر سماعات متصلة بالقاعة وشاشة واحدة صغيرة تنقل الصورة، وبدأت الندوة وبدأ الطلاب والطالبات يلقون سمعهم وقلوبهم لكلمات ضيوف الندوة وارتضت الطالبات بشاشة واحدة صغيرة تنقل الصورة وسماعة كبيرة تعاني من مرض مزمن تنقل الصوت، وفجأة انقطع الصوت عن قاعة الطالبات (لأنه لا أحد اهتم أصلا باختبار الصوت في قاعة الطالبات قبل بدء المحاضرة) وبدأت الطالبات في البحث عن أحد المسؤولين عن التنظيم لإبلاغه بانقطاع الصوت (فلا أحد من المنظمين للندوة كلف نفسه عناء تكوين لجنة تنظيم خاصة بقاعة الطالبات) وبعد دقائق عاد الصوت من جديد وقد انقطع التواصل الفعلي بين الطالبات وكلمة ضيف الندوة الرئيسي، وتكرر أمر انقطاع الصوت عدة مرات وبدأت الطالبات في الانصراف رويدا رويدا، فلا فريق تنظيم خاص بهن ولا أحد يهتم بهن، وفي النهاية انصرف عدد كبير من الطالبات وقد ترسخ في أذهانهن انطباع سيء للغاية عن الدعوة السلفية، أعاقهم ذلك الانطباع عن مجرد الاستماع لمنهج الدعوة فيما بعد، فمهما كانت جودة منتجك إذا غلفته بورق متسخ لن يقبل أحد شراءه.

تأمل أخي الغالي كيف تحولت ندوة هدفها الأساسي تقريب الطالبات لمنهج الدعوة وتوضيح الحق دون تشويه إلى عامل نفور وإعراض عن الدعوة منهجًا وشيوخًا، للأسف مشكلة العمل النسائي في الدعوة السلفية مشكلة مزمنة لا يلتفت إليها من الدعوة السلفية أحد باستثناء شيوخ الصف الأول من الدعوة فهم يولون بعض الاهتمام إلا أن تراكم المهام وتكالب الواجبات يجعل بعض الملفات الهامة كملف العمل النسائي تسقط منهم سهوًا خاصة إذا كان غالبية أبناء الدعوة لا يلقون لذلك الأمر بالًا، ودعونا نلخص سريعا أسباب ضعف العمل النسائي في الدعوة السلفية في نقاط:

  • رفض عدد كبير من أبناء الدعوة السلفية لعمل زوجاتهم في أي أعمال دعوية وإن كان هذا الرفض يتم بشكل غير مباشر وبصورة منقمة وبمسوغات يعتقدون أنها شرعية.
  • عدم تربية بنات ونساء الدعوة على حتمية العمل الجماعي وكذلك عدم تعاهدهم بمناهج متكاملة تناسب طبيعتهن العاطفية ونقصهن الجبلي مما نتج عنه ندرة شديدة في الكفاءات الدعوية والإدارية النسائية.
  • اتباع بعض أبناء الدعوة مبدأ «الأخذ بالأحوط» في كل وأي حالة فمثلا إذا كان هناك ندوة أو لقاء دعوي فالأفضل تجاهل دعوة النساء والبنات سدًّا لذريعة الاختلاط (أو لتقل فعليا لإراحة العقل من التفكير في حلول عملية شرعية يضمن بها حضور النساء وتجنب المخالفات).
  • عدم استشعار العديد من أبناء الدعوة أهمية العمل الدعوي النسائي وتخوف البعض من أن تثبت لهن نساؤهن مدى تقصيرهم وقله بذلهم.
  • انشغال النساء في أعبائهن الأسرية مع عدم الالتفات لواجباتهن الدعوية.

ذلك كان توصيفًا مختصرًا للغاية لتلك المشكلة الكبيرة، وكما أن الله لم يخلق داء إلا خلق له دواء فكذلك ما من مشكلة إلا ولها حل، ترى ما هو حل مشكلة ضعف العمل النسائي في الدعوة السلفية؟ ذلك نتناوله في المقال القادم إن شاء الله، دمتم في عافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات