في كل علاقة بين طرفين هناك ثلاثة أمور رئيسية لنجاح العلاقة: طرف أعلى وطرف أدنى، وخطوط حمراء، وتبادل الحقوق.

العلاقة مع الله

مع أن العلاقة مع الله سبحانه وتعالى استثنائية، فهو طرف أعلى في أي علاقة وهو صاحب النفوذ المطلق والأمر الذي لا يرد، ولكن أيضًا تجد أن في العلاقة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى طرفين، الله سبحانه وتعالى طرف أعلى، ونحن العباد طرف أدنى، والعلاقة بيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم النبي طرف أعلى ونحن طرف أدنى، وفي العلاقة بين الزوجين، الزوج الطرف الأعلى والزوجة الطرف الأدنى، والعلاقة بين الوالدين والأبناء، الوالدان هما الطرف الأعلى والأبناء هم الطرف الأدنى.

الاعتراف والإقرار بالطرف الأعلى وبمكانته وبأنه صاحب القرار والكلمة العليا يعد أمرًا أساسيًا لنجاح العلاقة بين الطرفين، فمثلًا في علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى، الله هو الطرف الأعلى في علاقتنا، لا بد من الإقرار أنه هو الإله وأننا عباده، وأننا لا نكافئه ولا يمكن أن نكون ندًا له، قال الله تعالى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، وقال جل شأنة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.

بدون هذا الإقرار تفسد العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، ولا تُقبل العبادة. ومتى ادعى عبد ذلك صار مدعيًا للألوهية محاربًا لله.

العلاقة بين الزوجين

كذلك بين الزوجين، الزوج هو الطرف الأعلى، ولا بد أن تقر الزوجة أنها ليست مثل زوجها ولا مكافئة له ولا ندًا له، قال تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}، وقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُوْنَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك»، وقال «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه}، وقال: «ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة الودود الولود العؤود على زوجها التي إذا آذت أو أوذيت جاءت حتى تأخذ بيد زوجها ثم تقول والله لا أذوق غمضًا حتى ترضى»، وقال: «اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما: عبد آبق من مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع».

بدون هذا الإقرار تفسد العلاقه بين الزوج والزوجة وتصير بينهما الحياة جحيمًا لا يستقيم فيها شيء. قال سيد قطب في «الظلال»:

«ولعلّ من هذه الدلائل تَوَقان نفس المرأة ذاتها إلى قيام هذه القِوامة على أصلها الفطري في الأسرة، وشعورها بالحرمان والنقص والقلق وقلّة السعادة، عندما تعيش مع رجلٍ لا يزاول مهامّ القِوامة وتُنقِصُه صفاتها اللازمة، فيَكِل إليها هي أمرَ القِوامة! وهي حقيقة مَلحوظة تسلِّم بها حتّى المنحرفات الخابطات في الظلام. ولعلّ من هذه الدلائل أنّ الأطفال الذين ينشأون في عائلة ليست القِوامة فيها للأب؛ إمّا لأنّه ضعيف الشخصيّة بحيث تَبرُز عليه شخصيّة الأُمّ وتسيطر، وإمّا لأنّه مفقود لوفاته أو لعدم وجود أبٍ شرعي، قلمّا يَنشأون أسوياء وقلّ أنْ لا ينحرفوا إلى شذوذٍ مّا، في تكوينهم العصبيّ والنفسيّ، وفي سلوكهم العمليّ والخُلقيّ».

قال مُحمّد عبده :«ذلك أنّ هذه الدرجة هي درجة الرئاسة والقيام على المصالح المفسَّرة بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}».

فالحياة الزوجيّة حياة اجتماعيّة، ولا تقوم مصلحة هذه الحياة إلاّ برئيس مُطاع، والرجل أَحقُّ بالرئاسة؛ لأنّه أعلم بالمصلحة وأقدر على التنفيذ بقوّته وماله، كذلك مع الأبناء، لا بد أن يقر الأبناء أنهم ليسو مكافئين ولا مماثلين ولا أندادًا لوالديهم، قال الله تعالى {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

وجاء في حديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى اللهِ تعالى؟ قال: الصَّلاةُ لِوَقتِها، فقُلتُ: ثم أيُّ؟ قال: ثم بِرُّ الوالدينِ، ثم قُلتُ: ثم أيُّ؟ قال: الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ ولوِ استَزَدتُه لزادَني».

كذلك مع ولاة الأمر الشرعيين، لا بد من الاعتراف بأنهم الطرف الأعلى له السمع والطاعة في غير معصية، قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} متى صرنا أندادًا لولاة الأمر بغير حق فسدت العلاقة وضاع المجتمع وهكذا دواليك، حتى بين الحيوانات وفي شريعة الغاب، في كل علاقة طرف أعلى وطرف أدنى، لا بد للأدنى أن يقر للأعلى بمكانته حتى تستقيم العلاقة.

أعطى الله سبحانه وتعالى الطرف الأعلى حق أن يضع خطوطًا حمراء لا يتجاوزها الطرف الأدنى أبدًا، فلإنجاح أي علاقة لا بد من الالتزام بهذه الخطوط الحمراء وعدم تجاوزها، فمثلًا في العلاقة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى وضع لنا بصفته الطرف الأعلى خطوطًا حمراء أولها خط أحمر كبير وهو الشرك، ثم يتبعه خطوط حمراء أصغر وهي الكبائر، إن تجاوزناها حلت علينا عقوبة في الدنيا، وإن لم نستغفر ونتوب نعاقب في الآخرة، ومع أن العلاقة مع الله استثنائية لعظيم حلمه وسعة رحمته وجميل صبره، إلا أن هذه هي القاعدة العامة في علاقتنا به، وتظل العلاقة فيها حب ورحمه وإحسان من الطرف الأعلى، وهو الله، للطرف الأدنى والأضعف، وهو العبد، حتى إذا تجاوزنا الخطوط الحمراء أخذت العلاقة شكلًا آخر يستحق في العبد العقاب والجزاء، وصارت لنا معامله أخرى وتسمية أخرى يسمى فيها العبد بـ«العاصي»، وهذا العاصي بخروجه عن الخطوط الحمراء استحق العقاب، ولن يصل إلى مرحلة تبادل الحقوق، ولا بد من أن يؤدب حتى يرجع ويستفيق قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، فلا يلام الطرف الأعلى لأنه لم يظلم ولكن كل اللوم على الطرف الأدنى الذي ظلم نفسه بتجاوزه.

كذلك بين الزوج والزوجة، يضع الزوج خطوط حمراء لزوجته وفقًا لشريعة الله ودون ظلم، لا تخرج عنها ولا تتعداها أبدًا، وتظل العلاقة قائمة بالحب والود والرحمة والإحسان حتى تخرج الزوجة عن هذه الخطوط الحمراء، فهنا تأخذ العلاقة شكلًا آخر تسمى فيها الزوجة تسميه أخرى، وهي «الناشز»، وتكون قد ارتكبت كبيرة من الكبائر تستحق بسببها العقاب والتأديب والتقويم حتى تستفيق وترجع، يقول تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}، ثم العقاب في الآخرة، إن لم تتب وترجع.

كذلك بين الوالدين والأبناء، يضع الوالدين خطوطًا حمراء وفقًا لشريعة الله ودون ظلم لأبنائهم، يسيرون عليها وتظل العلاقة قائمه الحب والود والرحمة والاحسان حتى يخرج الأبناء عن هذه الخطوط الحمراء ويكونوا بهذا ارتكبوا كبيرة من الكبائر، فهنا تأخذ العلاقة شكلًا آخر يسمى فيها من تعدى من الأبناء بـ«العاق»، يستحق وقتها العقاب والتأديب والتقويم حتى يستفيق، وإإن لم يتب فالعقوبة في الآخرة أشد، قال صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الجنة عاقٌّ، ولا منَّانٌ، ولا مُدمن خمر».

تبادل الحقوق

بعد ما سبق وبينت تأتي مرحلة تبادل الحقوق في العلاقة.

فمع الله سبحانه وتعالى، ومع أنها علاقة استثنائية، فليس لأحد عند الله شيء إلا محض رحمة منه وفضل، فبعد الإقرار أنه هو الإله وأننا عباده وأننا لا نكافئه ولا يمكن أن نكون ندًا له، وبعد الالتزام بأوامره وبما خطه لنا من خطوط حمراء، نكون قد استحققنا الرحمة والفوز برضاه وجنته.

عنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رضي الله عنه -قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و سلم عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ. قَالَ: فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ وما حقُّ العبادِ عَلَى الله؟» قَالَ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللّهِ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَفَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لاَ تُبَشِّرْهُمْ. فَيَتَّكِلُوا».

كذا في كل علاقة مما سبق.

فبعد إعطاء الزوجة المكانة المناسبة لزوجها وطاعته والالتزام بأوامره وبما خط لها من خطوط حمراء، وجب عليه أن يعطيها كل حقوقها من إحسان ومعاشرة بالمعروف ونفقة وما شابه.

وبين الوالدين والأبناء، متى ما أعطوا والديهم مكانتهم المناسبة والتزموا أوامرهم وأطاعوهم وجب على الوالدين أعطاء الأبناء كافة حقوهم من رعاية ونفقة وإحسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد