ما هي الأسباب التي أدت بالسنة العرب إلى هذا المآل؟ كيف وصلت بهم الأمور إلى هذا المطاف، ولماذا يعاني جمهور السنة العرب في العراق من التهميش والإقصاء الذي بلغ بهم اليوم كل مبلغ؛ فأصبح كثير منهم بين نازح ومهاجر أو سجين مطارد أو مطرود؟ يناقش هذا المقال، خارج صندوق نظرية المؤامرة وتوابعها، الأسباب أو الأخطاء التي ارتكبها السنة جمهورًا وقيادات والتي قدمت بشكل أو آخر مبررات لشركائهم لاستخدام أساليب إقصائية وعدائية بحقهم. هذه السطور ليست دفاعا عن أحد، وإنما نظرة موضوعية مستقاة من قراءات لبحوث وإصدارات عديدة ورصينة منها كتاب (أصول داعش) لسايمون مابون، و(العراق بعد أمريكا) لجويل رايبيرن، و(تاريخ العراق) لتشارلز ترب وغيرها. ولهذه النظرة ما بين السطور أهميتها في هذا الوقت بالذات، ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية. وبالرغم من أن النقاط التي سأذكرها معروفة، إلا أن إعادة ذكرها ربما يتيح لصناع القرار عدم تكرار الخطأ. فمن خلال هذه القراءات لوحظت ثلاثة أخطاء رئيسة لا يزال العرب السنة يعيدون إنتاجها وتكرارها متوقعين، وهما أن تأتي بنتائج مختلفة.

الخطأ الأول: العمل بمبدأ الفعل ورد الفعل

لقد كان واضحًا، لدى سقوط النظام في عام 2003 بأن السنة العرب لم يكونوا على استعداد لهذا الحدث. لذلك فإن أكثر قراراتهم وخياراتهم وتحركاتهم كانت عفوية لا تخرج من إطار ردود الافعال السريعة وغير المدروسة. وأحد الأمثلة المثيرة للاهتمام أن كثيرا من السنة العرب لم يكونوا صداميين ولا بعثيين قبل 2003، ثم تحولوا فجأة بعدها. وما حدث في فترة التسعينيات من أحداث، كمحاولة الانقلاب العسكرية في عام 1994، والتي أدت الى إعدام ما يقارب 48 ضابطًا أبرزهم محمد مظلوم الدليمي عام 1995، إضافة الى تسريح العديد من الضباط السنة من الجيش والاعتقالات الكبيرة في صفوف الشباب من المساجد… إلخ تعكس عدم الرضا الكبير من الجانب السني تجاه ممارسات النظام آنذاك، لكن ومع كل هذا، فإن قسمًا كبيرا من الجمهور السني تحول بعد 2003 إلى تبني ممارسات النظام.

وقد لا يكون هذا عيبًا سوى في كونه قد جاء كرد فعل عفوي على تعنت غيرهم واتهامهم لهم جزافًا بأنهم أتباع للنظام السابق. وقد شهدت بنفسي عام 2006 إبان إعدام الرئيس السابق صدام حسين سجالا بين سني سلفي كان يكره النظام قبل 2003 وآخر شيعي كان بعثيا. وكان الأول مدافعا عن النظام ورئيسه فيما كان الثاني ينتقد النظام!

هذا المشهد وللأسف تكرر في اعتصامات 2012-2013، والتي كان يقودها شخصيات بارزة في الصحوات التي قاتلت القاعدة وهزمتها عام 2007. حيث جاء التعاطف مع تنظيم داعش الإرهابي رد فعل عفوي وغير مدروس على ممارسات حكومة المالكي الطائفية وجرائمها، خصوصا جريمة الحويجة في أبريل 2013، والتي ذهب ضحيتها قرابة 50 متظاهرا سلميا. ولم يكن من الحكمة ولا الصواب أن يمد الإنسان يده لعدو حاقد على الجميع، لا لشيء سوى النكاية في الخصوم. إلا أن هذا وللأسف الشديد حصل. وبغض النظر عن الأسباب العديدة التي أدت لمثل هذا الخطأ القاتل، إلا أن تجنبه بكل الوسائل في حينها كان سيصب في مصلحة الجميع سنة وشيعة، ولكن مثلما كان أمر الشيعة بيد حكومة طائفية لا تمثلهم، كان أمر السنة بيد قيادات فرضتها الظروف لا تمتلك الرؤية، وليس لها معرفة بإدارة الأزمات، وهذا هو الخطأ القاتل الثاني.

الخطأ الثاني: العقم القيادي

إن الصورة الذهنية السائدة للحكم الرشيد في الثقافة العراقية بشكل خاص ترتبط ارتباطا وثيقا بالقائد كفرد. وفي هذا تختلف الثقافة العراقية بشكل عام عن الثقافة الغربية، حيث إن الصورة الذهنية في الغرب مرتبطة بالمكان والمجتمع لا بالفرد. فحيث نؤمن نحن بمفهوم القائد الضرورة والمخلص نجد أن الفكرة السائدة لديهم تنعكس في المدينة الفاضلة وجمهورية أفلاطون وغيرهما، بل حتى إن المفهوم العالمي لحقوق الإنسان (وهو مفهوم غربي) يقوم على بناء مجتمع رشيد ينتج قيادة رشيدة، وليس العكس.
وبالرغم من أن السنة العرب كانوا الأكثر نجاحًا نسبيا في تقديم قيادات صالحة لعموم العراقيين بمختلف طوائفهم، إلا أنهم اليوم الأكثر فشلا بعد عام 2003. وقد لا يعني هذا أن غيرهم كان ناجحا، وقدم قيادة رشيدة تأخذ بيد العراق إلى بر الأمان، لكن هذا الفشل يؤكد صحة النظرية الغربية في مفهوم القيادة الرشيدة؛ كونها نتاج بيئة مجتمعية صالحة. وعلى العموم فإن القيادة السنية بعد 2003 كانت متواضعة جدا تفتقر للمهنية، والأهم من هذا، فإنها فشلت فيما نجحت في تحقيقه القيادات الشيعية والكردية، ألا وهو توحيد الكلمة ضمن مكوناتهم.

ولو نجح السنة العرب في اختيار شخص واحد يتخذونه ممثلا عنهم لتغيرت ظروفهم بشكل ملحوظ، لكن وبسبب غياب المبدأ الأخلاقي في الإخلاص للقضية، والعامل المهني الإداري، ومفهوم الإصلاح المجتمعي، يضاف إليه هيمنة شبح صدام حسين الذي فرضته فترة حكمه الطويلة والكاريزما القيادية التي تمتع بها ولا شك في ذلك، كل هذا كان سببًا في حصول العقم القيادي لدى الجميع وأولهم العرب السنة. لذلك عندما برزت الصحوات كقوة سنية وطنية تقاتل الإرهاب لم ير الكثير من القيادات السنية فيها مشروعا صالحا يمكن له لو تم تبنيه أن يخلق توازنا في البلد، فذهب أدراج الرياح ليحل محله مشروع الحشد الشعبي الذي تم تبنيه وبقوة، فأصبح كما هو عليه اليوم رديفا قويا للجيش، بل حتى في فترة الاعتصامات كانت للسنة قيادات متعددة، وكثيرة منها سنة المالكي، وسنة السلطة، وسنة الخارج، وسنة المظاهرات. وهذه الانشطارات في الولاءات والانتماءات تعكس مرة أخرى عقمًا قياديًا مزمنًا ولا شك. كل هذا فيما كان الجمهور السني لا يرى عبر الإعلام غير (عراك الديكة) في الشاشات، والذي لم يزد شيئا سوى الطين بلة.

الخطأ الثالث: غيبوبة الإعلام

لست هنا بصدد الحديث عن أهمية الإعلام فهو أمر بديهي، إنما يؤسفني القول بأن الإعلام بشكل عام يأتي مترجمًا للخطأين: الأول والثاني. ولو تم استثمار الإعلام على طريقة داعش (وأعني هنا الأسلوب لا المحتوى)، لحقق الإعلام طفرة في التغيير والإصلاح.

ومن الملاحظ أن تنظيم داعش الإرهابي، بالرغم من عدم امتلاكه لقنوات فضائية ومراسلين، يتمتع بوعي إعلامي عالي المستوى، فهو يحاكي ذوق الجمهور، ومزاجه في البحث عن الإثارة والتشويق وكسر الصور النمطية السائدة عبر الأفلام القصيرة الدعائية التي ينتجها بما تحتويه من أناشيد ومؤثرات سمعية وبصرية تهدف إلى قلب ذهن المتلقي وتفكيره وقناعاته.

ولا مبالغة في القول بأن داعش على باطله نجح إعلاميا في جذب جمهور لا بأس به في ظل غياب وعي إعلامي معاكس يناظره في المستوى والتأثير.

وقد أثبت هذا الأمر أن الإعلام عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح أكثر تأثيرا من الإعلام التقليدي، خصوصًا عندما يكون مدروسًا بعناية، وليس مجرد حشو كلامي وهدر للوقت والمال.
وفي الإعلام العراقي بصورة عامة يغلب الطابع الروتيني الذي يعكس الواقع ولا يهدف لتغييره، لكن ومع وجود بعض التغيير عبر الاستعارة من التجارب الغربية، ولاضير في ذلك، تبقى هنالك مشكلة التقليد الأعمى دون إحداث تعديلات تناسب البيئة الثقافية، وكل هذا بسبب التعامل البديهي الفطري مع الإعلام، ومن يتصدر الإعلام لا يختلف اليوم كثيرا عمن يتصدر المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي.

وقد يتساءل السائل لماذا يتجه الكثير من الشباب للبحث عن أفلام داعش أو مشاهدة أغاني الحرب العراقية الإيرانية أو البرامج والأغاني الوطنية القديمة؟ ولهذا السؤال جواب واحد، وهو: خلو البرامج الحالية الإخبارية والترفيهية وغيرها من عوامل الإبداع وأهمها تحريك الصورة النمطية السائدة.
إن هذه العوامل الثلاثة: غياب التخطيط الإستراتيجي+ قيادة متواضعة المهارات+ إعلام يكرس الصورة النمطية أدت جميعا الى خلق قيود على العقل الجمعي في المجتمع العراقي وقياداته السياسية، فلا تكاد تجد واحدا منهم، حتى أولئك الذين عاشوا في اوربا وبريطانيا، يستطيع التخلص من تلك القيود ويحرر عقله منها. وما نجده اليوم من التحالفات السياسية قبيل الانتخابات يعكس هذه الرؤية بشكل واضح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد