هو ليس بتلك العتوة التي يصورها لنا الإعلام!..

حتى هذه اللحظة، تجاوز تعداد المصابين بالكورونا أكثر من 100 ألف مصاب، ويبدو أن هذا هو الخبر الأهم لدى وسائل الإعلام العالمية، أكثر حتى من حقيقة أنّ هناك أكثر من 57 ألف متعاف غادر البعض منهم المستشفى تمامًا مع اكتسابه لمناعة مستوفية.

وبلا شك، فثقافة التشاؤم التي تركن إليها معظم وسائل الإعلام عبر العالم اليوم، ومن ثم هذه الحماسة لإظهار الجوانب المظلمة للجائحة، دون تكبد عناء التذكير بمواطن الحسنى فيها – وكأنها ليست فيها بحق – ليست بالأمر المطمئن للناس البتة، ولا تحدث إلاّ المزيد من الذعر لديهم، وأحيانًا لمستويات غير محمودة.

إلاّ أنّ هناك في الواقع ثلاث حقائق مهمة ومطمئنة ينبغي التطرق لها عند استذكار ما آلت إليه الأوضاع حتى اللحظة:

أولًا: أن سرعة التراجع للفيروس، ثم سرعة التعافي منه لا بأس بها، قياسًا على سرعة التفشي حتى اليوم، إذ وصلت الإصابات إلى 100 ألف بشكل متفاوت جدًّا على مدى شهر تام، فيما تعافى أكثر من نصف هذا العدد طيلة المدة ذاتها بشكل ملحوظ، إذن فمعدل التعافي اليومي في المتوسط يقرب جدًّا من معدل الإصابة، ثم إن هناك مغايرة جينية تحدث على صعيد الجينوم بعد كل دورة حيوية له، تؤدي إلى هشاشته صوب إحداث الإصابة التالية، بوصفه من الفيروسات ذات الجينوم الريبوزي غير منقوص الأوكسجين، ولا يمتلك بذلك أي آلية لتصويب الأخطاء التي تحدث على صعيد التتابعات الجينية إبان عملية استنساخ ذاته، وهذا ما قد يجعله غير قابل لتجاوز جدار الخلية المضيفة لاحقًا لعدم مثالية مستقبلاتها له، وهي المغايرة الجينية ذاتها التي أكسبته خاصية وقابلية ولوجه لذات الخلية في البدء (بل حتى إمكانية تجاوزه للحاجز المناعي لإنسان)؛ فهو في طور العدول عن المزيد من الإصابات من بعد استيفاء هذا القدر المتكرر منها، كما حدث مع فيروسات أخرى مماثلة عديدة في السابق، ولعل ذلك سيحدث قبل حتى أن يكتشف لقاح له أو علاج فعال.

ثانيًا: إن عملية الوقاية من الفيروس عمليةٌ ميسورة جدًّا، وليست بذاك القدر من التعقيد، فهو من الفيروسات الكاسية، وهذه لا تمتلك مقاومة عاتية في الوسط الخارجي على عكس الفيروسات العارية، فهي حساسة للغاية تجاه الجفاف والحرارة، وحتى الرطوبة لا تضمن البقاء معها لأكثر من 30 دقيقة. ولم يثبت حتى الآن أن الفيروس انتقل عن بعد، أو بملامسة الأسطح، أو ملامسة الأشياء الملوثة به، وإنما بشكل مباشر من إنسان إلى غيره وعن قرب، فهو غايةً في الهشاشة ويموت مباشرة إذا ما غادر جسم المصاب، ولم يحظ بآخر عرضة.

القول بأن الفيروس ينتقل عبر الهواء وعلى مسافة مديدة هو أمر مبالغ فيه جدًّا، ولا دليل على صحته إلى الآن، وعلى الأرجح ليست هناك إصابات نضحت عن غير رابطة بمحيطها، ثم بخيطٍ واصلٍ يصل بها إلى البؤرة التي تفشى منها الفيروس للمرة الأولى. فإن كان المصاب صفر كما يسمى لدى الفرنسيين لم تكن له أيّ رابطة تربطه بالصين أو إيطاليا، ولم يزرهم قريبًا، ولم يخالط من بنينة هذه البلدان مؤخرًا كما ثبت، فهذا لا يعني بأنه اكتسب الإصابة عرضيًّا دون انتقال من مصاب غيره، إذ كونه أول من ظهرت عليه أعراض المرض لا يعني بحال من الأحوال أنه أول من أصيب فعلًا، فالأعراض قد تظهر على متلقٍ للفيروس قبل ناقله إليه بفارق زمني معتبر، وذاك بحسب الحافز المناعي لكلا المصابين، ومن الوارد جدًّا أنّ هذا ما حدث للمصاب الفرنسي الأول، أي إنّ العدوى نُقلت إليه ثم غمرته الأعراض قبل أن تتبادى على هؤلاء الذين نقلوها إليه، أو لم يكتشفوا إلاّ من بعده على الأقل. والفرضيات التي تقول بأنّ الفيروس قد تجاوز الحاجز المناعي للبشر في أكثر من موضع، ليشكل بذلك أكثر من بؤرة، لم تثبت بعد، وإن كانت محتملة.

على ذكر الحاجز المناعي للبشر، فإن كيفية تخطي الفيروس لذلك ليست معلومة بعد، إلاّ أنّ وجود تتابعات جينية في الجينوم شبيهة بأخرى يحويها جينوم فيروس «السيدا»، كما أكدت اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات، قد توحي بأنّ احتكاكًا ما بين الاثنين قد حدث فعلًا، مما يعني أن الإصابة بالكورونا للمرة الأولى أو الثانية كانت إصابةً انتهازية إبان إصابة المعني بمرض ضعف المناعة المكتسبة، وهذه الفرضية قابلة للاختبار عمومًا، فهي خاضعة للإثبات أو النفي إذن، على الأقل هي أكثر قابلية من الفرضية القائلة بأنه جرى تعديله فنيًّا في المختبر، خصوصًا أن هذه التتابعات الجينية لا تشفر لعملية حيوية على صعيد الكورونا، مما يشي بأنّ عرضية وجودها في الجينوم أرجح من أن تكون مقصودة.

أضف إلى ذلك أنّ عميلة الإصابات المتوازية بأكثر من فيروس من أهم الآليات التي تساهم في تنوع الفيروسات على الأرض، وتحدث بشكل مستمر.

فلعل أهم ما يشفع لهذه الفرضية استهداف الفيروس لذوي المناعة الأقل حافزية وفعالية كالمسنين، فإذن نستخلص منها فائدة أنّ الاتقاء بالتحفيز المناعي لربما يكون وسيلة مثالية للتصدي للوباء وجعلنا أقل عرضة للإصابة، وبالمقدور تحفيز جهازنا المناعي بعقاقير معنية، ولكن طبيعيًّا بالتغذية السليمة، والممارسة الرياضية المتزنة.

ثالثًا: إنّ الفيروس حساس جدًّا لعقار الكلوروكين، فقد أجرى علماء صينيون اختبارات عرّضوا خلالها مصابين لجرعات متواصلة من الكلوروكين خلال أيام (500 مليجرام لمدة عشرة أيام تقريبًا)، واستنتجوا أن المرضى تماثلوا للشفاء بسلاسة. وهذا العقار يستخدم في الأصل ضد الملاريا، وهو موفور الكمية في السوق، وليست لديه أعراض جانبية كبيرة إذا لم يستخدم بإفراطٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد