تمهيد

قبل أن تُطوى صفحة القرن التاسع عشر، تبلورت فيزياء القرون السابقة في النظريات الموصوفة باسم الديناميكا الحرارية. وقتها، ظنَّ العلماء أن ما بين أيديهم من معرفة كفيل بدراسة كل ما نراه ونلمسه بأيدينا، بل فهم الكون على اتساعه أيضًا، وأيضًا العالم المجهري بغرائبه وسحره. لكن ذلك لم يكُن صحيحًا.

ثم نشر أينشتاين Einstein في مُستهل القرن العشرين، عام 1905م، بحثا بعنوان «النسبية الخاصة»، وبعدها بعشرة أعوام، في 1915م، نشر بحثه «النسبية العامة»، فأحدث ثورة هائلة في مفاهيمنا عن الكون؛ المكان والزمان، المادة والطاقة، ما تزال أصداؤها باقية لليوم، بعد مرور أكثر من قرن.

كما وَاكَب النسبية إسهام مجموعة من العلماء في وضع أركان نظرية ميكانيكا الكم، خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، بإضافة مجموعة جديدة من المُعادلات الرياضية.

على أية حال، ظلت تلك الأعمدة الثلاثة في الفيزياء جُزُرًا مُنعزلة، وما تزال؛ كل منها يُعطينا «صورة» عن حقيقة هذا العالم، ويصلُح لمجال تطبيقي بعينه. وبعد أن بشَّر العاَلِم الكبير ستيفين هوكينج Stephen Hawking، في ثمانينيات القرن الماضي، باقتراب تحقيق حلم «نظرية كل شيء»، أفاق العلماء على فَقْر ما بأيدينا من معرفة، وأَدْرَكَ من لم تُسْكِره إنجازات العلم، أن الذي عرفناه قليلٌ قليل قياسًا على الذي لم نعرفه بعد.

النظرية النسبية:

لأننا جئنا لهذا العالم، فوجدناه قائمًا، وجرى علينا تأثير مُضي الزمن؛ بتنا أسرى حواسنا. أنت مثلًا، حين تنتقل لمسكن جديد، تُصوِّر لك حواسك أن المسكن الجديد فارغ، لا شيء فيه، وما عليك سوى أن تملؤه بقطع الأثاث…إلخ. كما أن وقت انتقالك للعيش فيه، يُمكن تحديده. إذن حواسنا تُنبؤنا بأن «الحيِّز أو الفضاء المكاني»، و«الزمان»، موجودان بداهةً.

المفاجأة، أن النظرية النسبية تقول لنا شيئًا آخر؛ الزمان والمكان موجودان بسبب وجود المادة والطاقة. لا وجود مُستقل لهما. أيضًا، هما لاعبان أصليان، موجودان حيث يوجد الحدث. هكذا تُعلمنا النسبية خصائص وسلوك المادة والطاقة في الزمان والفضاء، على اتساع الكون كله.

تختلف هذه الرؤية بشكل واضح عن رؤية نيوتن Newton، الذي يرى الزمان والفضاء لوحة فارغة، تُرسم عليها الأحداث، موجودان بشكل سَرْمَدي، ولا تسري عليهما قوانين الطبيعة، التي تنطبق على ما فيهما من مادة وطاقة. وجادل عن فكرته بأن «الحدث» لا بُد له أن يقع في مكان، أو فضاء مُحدد، وفي زمان مُحدد؛ وإلا كيف يتسنى لنا إدراك العالم بدون زمان وفضاء مُطلق؟ لكن، ها هي النسبية تقول لنا إن نيوتن كان مُحقًّا في فكرته عن «وجود» الفضاء، إلا أنه كان مُخطئا باعتبار وجوده مطلقًا.

لم يجمع أينشتاين بيانات أو قياسات من البيئة المحيطة، أو من نتائج الأرصاد التليسكوبية…إلخ، ليُحاول تفسير ظاهرة أو أخرى؛ ولم يتَّخِذ «قوانين» نيوتن أحكامًا مُسبقة يَتَعيَّن عليه أن يتعلمها ولا يُناقِشها. في الواقع، لقد اتبع أينشتاين سبيل الشَّك فيما تلقاه من معارف وهو بَعْدُ صغير، كما قام بالعديد من «التجارب الذهنية»، بإعمال العقل والمنطق، مع بعض الفرضيات البسيطة، فغيَّر مفاهيمنا عن الكون تغييرًا جذريًّا. وللدهشة، تم التحقق من كل نبوءات النسبية، على غرابتها، بالتجارب العلمية، على مدار مائة عام بالتمام والكمال.

النسبية الخاصة:

على عكس ما قرره نيوتن بالنسبة للزمن، أنه يسري بمُعدل ثابت في الكون كله، ولا علاقة له بالأحداث التي تجري به؛ يقول لنا أينشتاين إن الزمان مُرتبط بشكل وثيق بالفضاء ذاته.

لو أن مصباحين، عن يميني وشمالي، أضاءا معًا لبُرهة، لرأيتُ الحدثين في وقت واحد. لكن إن مرَّ بي شخص يتحرك بسُرعة منتظمة، عالية، فسيرى الضوء عن يميني أولًا (الذي يتحرك في اتجاهه)، وبعده «سيلحَقُ» به الضوء الآخر (الذي يبتعد عنه)، فيراه. هذه الظاهرة، التي يُسمونها «نسبية الآنية»، لا يُمكن فيها الجزم بأن أيًّا منا على حق، نظرًا إلى نسبية الحركة بيننا. هذا هو الدرس الأول في النظرية النسبية.

تفترض النسبية الخاصة عدم وجود شيء ساكن، الكل في هذا الكون يتحرك بالنسبة للآخرين؛ من ثم فإن كل حركة نسبية، ولا يُمكن لشخص أو شيء الزعم أنه ثابت وغيره يتحرك. كما تفترض أن سرعة الضوء ثابتة بالنسبة لأي شخص يقيسها، مهما كانت سرعة مصدره؛ كما أنها سقف السرعات في الكون. وعلى أساس هاتين الفرضيتين، الذي يُشار إليهما عادةً باسم «مَبْدَئَيّ النسبية» بَنَى أينشتاين نموذجًا رياضيًّا للفضاء والزمن، أفضى إلى نتائج مُدهشة.

تأسيسًا على فرضية ثبات سرعة الضوء، هَبْ أنك منطلق على متن مركبة فضائية بسرعة تقترب من سرعة الضوء، وعلى البُعد ثمة مركبة فضائية أخرى تتحرك في اتجاهك بسرعتك نفسها. وِفق فرضية النسبية الخاصة، لو أنك أطلقت إشارة ضوئية في اتجاه المركبة الأخرى، ستجد أن سرعة الضوء بالنسبة لك تُساوي بالضبط السرعة ذاتها التي قاسها زميلك على متن المركبة الأخرى، تساوي بالضبط سرعة الضوء المُقاسة على الأرض، وتُقدر بنحو ثلاثمائة ألف كيلومتر على الثانية.

لا يُمكن استيعاب فكرة ثبات سرعة الضوء بالنسبة لكل من يرصده، بغض النظر عن ادعائه أنه ثابت أو مُتحرك بالنسبة لغيره، بسرعة منتظمة، بطيئة أو سريعة، إلا إذا تنازلنا عن مفاهيم نيوتن. فإذا كان تعريف السرعة أنها المسافة التي يقطعها جسم ما مقسومة على الزمن، أي المسافة بالنسبة للزمن؛ وإذا كانت السرعات، والمسافات، في المثال السابق مُختلفة، ومع ذلك كلاكما قاس للضوء السرعة نفسها؛ إذن – وهنا النتيجة الخطرة – لا يُمر الزمن بالنسبة لكما على وتيرة واحدة. يتباطأ الزمن بالنسبة للمُتحرك بسرعة عالية، قياسًا على من هو أبطأ منه؛ إذن لا بُد أننا نقيس المسافات والأزمان بشكل مُختلف. وكي نتجاوز هذه المُشكلة، تدمج النظرية النسبية الزمان والمكان (سنُسميهما معًا الزمكان، اصطلاحًا) فيما يُعرف باسم «نموذج الكُتلة الكونية».

تَخَيَّل الكون كله مُحْتَوَى في صندوق متوازي المستطيلات. إذن كي نُعَرِّف حدثًا ما في زمن ما، سنأخذ شريحة من هذا الصندوق، كما نأخذ شريحة من رغيف خُبز فرنسي، على أساس أن الأبعاد الثلاثة المكانية قد اختصرناها لبُعدين فقط، والبُعد الرابع (الثالث بعد الاختصار) سيُمثِّل الزمن، على طول الرغيف ونحن نقطعه لشرائح لتتبع الأحداث فيه.

النَّاظِرُ إلى نموذج الكتلة الكونية من الخارج، سيشعر بما يُمكن تسميته «كُليَّة الوجود»؛ حيث كل الفضاء (المكان)، وكل الزمان (الماضي والحاضر والمستقبل)، مُوجودين معًا. لكن واقعنا الحقيقي أننا أسرى داخل الكون، أسرى الحيِّز المكاني، ومن ثم نشعُر بمرور الزمن.

على هذا، إن نظرنا لأي حدثين على أنهما وَقَعَا خلال فترة في «الزمكان»، سنتفق، وتتفق قياساتنا. لكن سنختلف، وتختلف قياساتنا بالنسبة للمسافات المكانية وزمان وقوع الأحداث إن ظللنا نتعامل معهما بشكل مُنفصل. وهذا هو الدرس المُهم في النسبية الخاصة: النظر إلى المكان والزمان مسألة نسبية، كل فرد سيكون له الأحقية في ادعاء صواب وجهة نظره؛ لكن النظر إلى الزمكان أمر مُطْلَق، سيتفق عليه الجميع.

النسبية العامة:

جاءت النسبية العامة لتدمج المادة والطاقة بالزمكان، الأمر الذي غَيَّر مفهومنا عن الجاذبية، لتُصبِح قوة يكتسبها الجسم بسبب «انحناء» الزمكان حوله، وهي – كما ترى – رؤية يصعُب تَخيُّلها. على أية حال فإن النتيجة الأهم لتلك الرؤية أنها تجعل الفضاء يتأثر بما فيه من كتلة، على نحوٍ من شأنه أن يؤدي لتباطؤ الزمن.

ثمة نُقطة مهمة هنا، يتباطأ الزمن بالنسبة لمن يتحرك بسرعة عالية تقترب من سرعة الضوء، كما أوضحت النسبية الخاصة، بطريقة مُتماثلة Symmetrical، حيث يحق لأي شخص الادعاء أنه ثابت، والآخرون يتحركون بالنسبة له. لكن النسبية العامة تُنبؤنا بأن الزمن يتباطأ في مُحيط الكُتل الكبيرة، التي لها مجال جذب شديد، بطريقة غير مُتماثلة Asymmetrical بالنسبة للواقع تحت تأثيرها الجذبي. الجاذبية تُبطئ سريان الزمن حَرْفيًّا.

كما تنبؤنا النسبية العامة بأن المادة والطاقة تخلق «مجالًا جاذبيًّا»، بحيث إن «الزمكان» نفسه ما هو إلا المظهر البنائي لذلك المجال. دون مادة، لا يوجد فضاء ولا زمان.

كتب أينشتاين في مُقدمة الطبعة الأخيرة لكُتيبه، الذي وجهه للجمهور غير المُتخصص: «لا يُمكننا وصف الزمان والفضاء «الزمكان» كوجود مُستقل عما به من موجودات. الموجودات ليست «في» الفضاء، بل إن لها امتدادًا مكانيًّا «يصنع» الفضاء. إن عبارة «الفضاء الخاوي» في الحقيقة لا معنى لها».

إذن المادة تخلق حولها مجالًا تَظْهَر به الطاقة، والتأثيرات المختلفة. ولعلك تتذكر من تجارب العلوم في المدرسة، كيف أن بُرادة الحديد تتخذ شكل مسارات مُحددة، تبدو كما لو كانت صادرة من أحد أقطاب المغناطيس وتتجه للقطب الآخر، وكيف كانت كثافة البرادة أعلى بالقرب من القطبين. إذن، المجال المغناطيسي «يحتاج» لفضاء كي يُوجَد ويُظهِر تأثيره. مادة وقوة الجاذبية في المغناطيس هي التي خلقت لنفسها مجالًا. خلقت لنفسها فضاءً.

ثم عقَّب أينشتاين في مُلحق الطبعة الأخيرة، يقول: «لو تخيلنا أننا أزلنا المجال الجاذبي من الكون (بمعنى إزالة كل ما في الكون من موجودات، مجرات وشموس…إلخ)، إذن لن يتبقى ثمة فضاء، سيتبقى العدم».

الآن، دعني أُشير إلى تمدد الكون في ضوء أفكار النسبية. كيف نتصور أن الكون، المُتَضمِّن بالضرورة الزمان مكوِّنًا أساسيًّا به، يتمدد بحيث يزداد حجمه بُمضي الزمن؟ كيف يتمدد مع الزمن، مع أن الزمن من مُكوناته؟ تأتينا الإجابة بأن الذي يتمدد هو الفضاء، المكان فقط، وليس الزمان. خاصةً حين نعلم أن الذي يتمدد هو الفضاء على اتساعه، بين عناقيد المجرات. أما فيما بين المجرات، فتسود قوة الجاذبية. تمامًا مثل حبات الزبيب في الكيك، تتمدد العجينة (الفضاء) أثناء النُّضج مع مُضي الوقت، فتتباعد حبات الزبيب (المجرات) بعضها عن بعض.

يحق لك أن تسأل عن شكل هذا «النسيج» الزمكاني عند مُنتهى صِغَره؟ تقول النسبية إنه دائم مُتصل لا شية فيه. كما قد ترغب في السؤال عن الزمن في نموذج «الكون الكتلة»، فتأتيك الإجابة أنه زمن ساكن، لا يتغير، الماضي والحاضر والمستقبل فيه لهم وجود سرمدي ضمن نسيج الزمكان. إلا أن ميكانيكا الكم تقول لنا شيئًا مُختلفًا عن عالم ما تحت الذرة من جُسيمات. إنه عالم الجُسيمات الشبحية، التي تقفز للوجود من العدم، ممزقة لنسيج الزمكان، أو تختفي من الوجود في مُدد زمنية غاية في الضآلة. كما أن الديناميكة الحرارية تقول لنا شيئًا آخر عن الزمن؛ تقول إنه كالسهم، له رأس واحدة، ينصرم من الماضي للحاضر للمستقبل، ولا يُمكن عكسه؛ بمعنى أنه «غير مُتماثل Asymmetrical»، على عكس التماثُل الذي يُميز الزمن في منظور النسبية.

لكن قبل أن نعرِض مضامين عمودَيّ الفيزياء الآخرَين، ميكانيكا الكم، والديناميكا الحرارية، علينا أن نمضي مع النسبية قُدُمًا، لنروي طرفًا من موضوع المادة والطاقة، اللتين صنعتا الفضاء والزمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد