الصورة الأولى – من مشهد الطفل المرابط أمام الآلة العكسرية الممسك بحجر في يده إبان الانتفاضة الفلسطنية الأولى.

الصورة الثانية – من مشهد الصحفى العراقي «منتصر الزيدي» المُلقي بحذائه على الرئيس الأمريكى «بوش» في المؤتمر الصحفى الشهير – و الذى أودع بعدها أحد السجون العراقية؛ إثر احتجاجه على احتلال بلاده!

الصورة الثالثة – من مشهد الشاب التركى الذي أردى السفير الروسي قتيلًا في المؤتمر الصحفى، ثم يُردى هو قتيلًا بعدها بدقائق.

الصور الثلاث أثارت عواصف لدى الرأى العام العربي، مع أنها لم يتبع أي منها تحول ملموس على أرض الواقع!

نتخلى عن عقلانية المثقفين وحسابات الساسة وأوهام الجماهير؛ لنحاول معا إيجاد مشترك يجمعها – مشترك يوحدها على صعيد المعنى، لا على صعيد التفاصيل.

هذه الصور الثلاث وغيرها الكثير من المشاهد والصور التي تشترك في أنها مشهد احتجاجى يحمل رمزية كبيرة – وكرد فعل فردى منطلق من مسؤولية وعبء يفرضه الواقع المحيط.

في منطقة مشتعلة بالأحداث كمنطقتنا العربية، ومع شلالات الدم النازفة يوميًا منذ وطأت أقدام المحتل بلادنا – نجد في هذه المشاهد بعض عزاء، حتى وإن اختلفنا مع بعضها، أو تساءلنا عن جدوى الباقى – عزاؤنا أن تلك الجذوة من نخوة ومن كرامة التي عمل وكلاء المحتل والمحتل على كسرها أو محوها تمامًا ، ما زال بنا منها بعض رمق أو لعلها تلفظ أنفاسها الأخيرة.

يوميًا نُفيق على مشاهد القتل والقصف وأخبار الاختطاف والتعذيب وصور المخيمات، حالة من سيولة الأحداث وتكرارها مع افتقاد الفرد العربي القدرة على التفاعل، ولو رمزيًا معها!

وأمام شعور يتنامى بالعجز واتهام الذات بالتخاذل، يدفع دفعًا إلى الانعزال تدريجيًا، كأنه قد انتُزع منه تلك المُركبة التي تجعله أقرب لعنصر نشط شديد التفاعل؛ فأصبح لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم!

في عالم «براجماتى» تسود فيه قوانين الغاب، السطوة والفعل للقوى، يصبح لتلك المشاهد الاحتجاجية رمزيتها وأهميتها في إنعاش ما بقى من تلك المُركبة.

الواقع يفرض علينا أن نتجاهل المحيط، وننشغل بالذات، ومثل تلك الصور التي تعيد للجماهير العربية أساطيرها وأمجادها السابقة بشكل معاصر.

أتذكر انتشار صورة الطفل الذي يلقى بحجره على الآله العسكرية في معظم الدوائر المحيطه بنا وفي الشوارع، على الرغم من أنه منطقيًا لا يمكن أن تتأثر الآلة العسكرية بحجر، ولكن المشهد يحمل بعدًا آخر أكبر من آله المحتل!

لابد أنه قد لامس عند المُتابع العربى شيئًا دفعه لحفظ المشهد وتداوله، بل وصل إلى حد طباعته على شكل «بوسترات» منتشرة فى البيوت والشوارع، لابد أنه لامس تلك المُركبة.

 

يجول برأسي بعض أسئلة

وهل تأثرت أمريكا بإلقاء حذاء على قائدها!

وهل تتوقف روسيا عن جرائمها ضد الشعب السورى بمقتل سفيرها!

الصور الثلاث لا تحمل نتائج أو تحولات، ولو صغيرة على مستوى الأحداث، لكنها تحمل مؤشرات، وترفع إلى السطح ذلك الشعور والدافع بأن قاوم ولو بحجر ولو بكلمه ولو…إلخ.

و قد أحسن «أمل دنقل» في رائعته «لا تصالح» عندما قال:

لا تصالح

ولو قال من مال عند الصدامْ

«ما بنا طاقة لامتشاق الحسام»

عندما يملأ الحق قلبك

تندلع النار إن تتنفَّسْ

ولسانُ الخيانة يخرس

لا تصالح

ربما يصيح أحدهم أن هذه أفعال غير عقلانية، وتجر إلى مساحات الجدال، ولن نجنى من ورائها سوى المزيد من الخراب!

وهل توقف القتل أو التشريد في وطننا العربي الحزين بالصمت أو بسلوك مسالك الخراف، إن جاز المجاز فإن النيل والفرات قد اكتسبا لون الدم من فرط ما سالت دماؤنا. الصراع مستمر وطموحات المحتل لن تتوقف وآله القتل لن تهدأ.

و قد أبدع درويش حينما رسم صورة شعرية عن حالنا:

«لكني أسدد نسبة مئوية من ملح خبزي مرغمًا، وأقول للتاريخ: زين شاحناتك بالعبيد وبالملوك الصاغرين، ومر، لا أحد يقول الآن: لا. لا أحد».

على مدار التاريخ كانت تلك المشاهد هي البركان الذي يدفع الجماهير للتفاعل مع مثل هذه أحداث، هذه المشاهد هي التي تدفع الناس للخروج من سكرتهم، تٌمسكهم من تلابييبهم لتهزهم كزلزلال ينفض عنهم ما تراكم على عقولهم وقلوبهم.

التاريخ العربي منذ مائة سنه ويزيد هو محض تغريبات متكررة فكيف تستمع لمن يطالبك بأن تدفن رأسك في الرمال متجاهلًا ما يحدث، يريدوننا شعوبا من نعام لا تحسن إلا الركض من مفترسيها، لا تجيد إلا دفن رأسها بالرمال عندما يستحكم الخوف بها، أستعير المجاز من درويش. أيها الأحياء تحت الأرض عودوا. فإن الناس فوق الأرض قد ماتوا».

إن كنا مغلوبين على أمرنا؛ فلم يبق لنا إلا صور الاحتجاج؛ لنرقع به ثوب كرامتنا العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صور
عرض التعليقات
تحميل المزيد