لا أدري، لمَ في مصر نقدس الحجر على البشر؛ فجزيرة تيران مع أهميتها، ونقابة الصحفيين، مع رمزيتها، إلا أنهما ليسا أغلى من آلاف البشر الذين قتلهم السيسي في وضح النهار، واعتقلهم في غيابات السجون!

جزيرة تيران مهمة، والتخلي عنها جريمة! ونقابة الصحفيين ـ لا شك ـ مهمة، ولم يحدث أن اقتحم الأمن النقابة منذ إنشائها عام 1941 (منذ 75 عامًا)، لكن إذا كانت ردود الأفعال بهذه القوة فقد كان مفترضًا أن تكون أقوى، أو على الأقل، بنفس الحدة، في قضايا أفضح وأخطر خلال الثلاث سنوات الماضية!

لقد رأينا «فض اعتصام رابعة والنهضة»، و«حرق الجثث في المستشفى الميداني»، و«حرق المعتصمين أحياء في اعتصام النهضة»، و«إحراق مسجد رابعة»، و«اقتحام مسجد الفتح»، وسط صمت أقرب إلى المشاركة والتواطؤ من كثير ممن يتحدثون الآن! هناك تمييز على أساس سياسي بلا شك!

وماذا فعلت نقابة الصحفيين خلال السنوات الثلاث الماضية؟ ماذا فعلت لـ«حبيبة عبد العزيز»، التي قتلت في تغطية اعتصام رابعة؟ وماذا فعلت لـ«أحمد عاصم» الذي صور بعدسته قاتله، وهو يطلق عليه النار؟ وإذا كان هؤلاء إخوانًا أو مؤيدين للشرعية، ماذا فعلت النقابة لـ«شوكان» المعتقل منذ 3 سنوات تقريبًا؛ لتغطيته فض الاعتصام، وهو ليس من الإخوان ولا الإسلاميين! ماذا فعلت له النقابة؟

ثم من «عمرو بدر» الذي تدور حوله القضية، مع احترامنا للجميع، ورفضنا لاعتقال أي أحد! إنه رئيس تحرير موقع «تمرد» سابقًا، والتي أنشأتها المخابرات العسكرية، وتلقت تمويلات مباشرة من «الإمارات»، ثم صار بعدها مسئول الحملة الرئاسية «للكومبارس صباحي»، في هزلية الانتخابات الرئاسية، مما يعني أنهم جزء من «انقلاب 3 يوليو»، ولو اختلفوا على بعض الجزئيات!

ورغم كل ذلك رأينا وجوهًا انقلابية، هي آخر من يحق لها الحديث! «مصطفى بكري» و«وائل الإبراشي» و«حازم عبد العظيم» و«جمال فهمي»، وهي وجوه لا تزال مؤيدة لنظام السيسي حتى الآن!

حتى بعض الرموز التي تريد أن تنأى بنفسها عن السيسي، مثل «باسم يوسف» الذي يتحدث بلهجة ثورية منذ فترة، ويعيِّر مؤيدي السيسي بأن «بشار» مثلهم الأعلى، يتناسى أنه رقص على جثث الإخوان، وغنى للسيسي قائلًا «السيسي لعبها صح، والسيسي فشخ الإخوان»!

و«علاء الأسواني» نسي كذلك أنه شبه «السيسي» بالرئيس الأمريكي الراحل «دوايت أيزنهاور» الذي كان قائدًا لجيوش الحلفاء في «الحرب العالمية الثانية»، وخلصهم من «النازيين»، ثم وصل للرئاسة عبر صناديق الانتخابات من (1952- 1960).

هل يريد هؤلاء أن يعودوا ثوريين فجأة، وكأن هذه الصفحة من حياتنا وحياتهم لم تكن؟ دون اعتذار أو الإعلان عن رفض الانقلاب! كل هذا يجعلنا نشك في حقيقة ودوافع ما يجري!

وحقيقة؛ نحن أمام ثلاث «سيناريوهات» لما يجري في نقابة الصحفيين:

أن يكون هؤلاء جميعًا، وهم معروفون بصلاتهم واتصالاتهم بالخارج، لديهم معلومات أو تسريبات أن الوضع في مصر سيشهد تغييرًا قريبًا، ويريدون أن يقوموا بعملية إعادة تموضع «repositioning » تلاؤمًا مع الوضع الجديد، ليس على أساس أن ما جرى كان انقلابًا؛ لأن ذلك يستفيد منه الإخوان، ولكن على أساس الاعتراض على بعض السياسيات أو الوجوه! وهذا يعد استمرارًا لنفس السياسة التي اتبعوها في جمعة الأرض، وتحدثنا عنه في حينها.

أن يكون ما يحدث تمثيلية مع السيسي؛ لإقالة وزير الداخلية مجدي عبد الغفار:

وهذا ما أرجحه؛ فخروج «ياسر رزق» المقرب من السيسي على كل الفضائيات، وتصريحه أن السيسي لم يكن يعلم بواقعة اقتحام النقابة، وأنه غاضب من تجاوزات الوزارة، ليس إلا نحاولة لغسل يد السيسي من الواقعة وتحميلها لمجدي عبد الغفار.

وتحميل المسئولية لوزير الداخلية يحقق للسيسي ثلاثة أهداف:

تهدئة الشارع الغاضب؛ لارتفاع الأسعار وارتفاع الدولار، وبيع تيران وصنافير، مع عدم تبني مطالب مؤيدي الشرعية الرافضة للانقلاب بالكامل، والمطالبة بطلبات ذات سقف أقل، متمثلة في تغيير بعض الوزراء، أو بعض السياسات!

تحميله مسئولية مقتل «ريجيني»، مع إصرار إيطالي واضح، مصحوب بدعم أوروبي وغربي كامل للتمسك بالوصول للجاني الحقيقي، مما يجعل السيسي أمام أحد خيارين: إما أن يتحملها هو بنفسه على أساس أن ما حدث كان قرارًا سياسيًا، أو أن يتحملها «مجدي عبد الغفار» على أساس أن ما جرى كان خطأ من قبل الأجهزة الأمنية!

ترميز رموز ليست ثورية، ومع الانقلاب، على حساب الثوار الحقيقيين!

أن يكون ما يحدث تمثيلية على السيسي؛ رغبة من الغرب في اصطناع طبقة بين السيسي والإخوان تكون البديل المناسب في مرحلة ما بعد السيسي!

ختامًا:

نرفض اقتحام نقابة الصحفيين، وأية نقابة، لكننا أيضا نرفض الانقلاب ككل! ومن يعترف بالانقلاب العسكري، ويطالب فقط بتحسين شروط العبودية، أو إقالة وزير الداخلية، ليس من الثورة في شيء! حتى «خالد داوود» الذي ضرب من المواطنين الشرفاء، لا يزال يصف السيسي بالرئيس!

كل ما يحدث في مصر مشكلات فرعية عن مشكلة رئيسة هي «الانقلاب العسكري».  من يجرنا لمعارك جزئية أو ثانوية، ولا يزال يعترف بالسيسي رئيسًا هو انقلابي، شاء من شاء، وأبى من أبى!

لمشاهدة الحلقة السادسة من برنامج تحليلات، بخصوص ما يجري في نقابة الصحفيين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد