هي حكاية من ضمن آلاف الحكايات التي تبلور معاناة الأسيرات الفلسطينيات اللاتي تقبعن في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حكاية تعود أحداثها إلى بداية الثلث الأخير من القرن العشرين، نقلت لنا عبر فيلم فلسطيني درامي للمخرجة الفلسطينية مي المصري، بدأت أحداث الفيلم من خلال الـ«جيب» الإسرائيلي الذي كان يَقل المُدرسة الفلسطينية ليال، وهي بملابس نومها مقيدة اليدين ومعصوبة العينين، إلى أحد السجون الإسرائيلية الكائنة في إحدى مدن الضفة الغربية المحتلة.

استقبلت إدارة السجن المُدرسة الفلسطينية ليال بسيل من الإهانات التي قد تكون جزءًا بسيطًا من الإهانات التي توجه إلى الأسيرات في دنيا الواقع، وذلك قبل أن يزج بها، بعد انتهاء التحقيق معها وهي معلقة من يديها، في زنزانة بها سجينات إسرائيليات، نالت ليال منهن إهانات أقذع من الإهانات التي نالتها من إدارة السجن التي زَجت بها خصيصًا في هذه الزنزانة لتكديرها، على الرغم من وجود مكان شاغر في الزنزانة المقابلة لزنزانتها.

لم يقتصر التنكيل بها على حرمانها من المكان الشاغر في الزنزانة التي يتواجد بها السجينات العربيات، فبجانب حبسها مع سجينات إسرائيليات تم منعها من الاتصال بزوجها، ولم يتم الاتصال به إلا بعد مقايضتها (التواصل مع زوجها مقابل الوشاية بزميلاتها)، فبالرغم من السماح لزوجها بزيارتها، ذهبت محاولات إذارة السجن في تدجينها هباءًا منبثا، بعد كشفها من قبل سجينة مدمنة، وهي تستولى على أداة من الأدوات الممنوعة – التي تستخدم في التعاطي – في أرضية الزنزانة، فتمخض عن هذه الواقعة اشتباك بدني بين هذه السجينة وبين ليال التي امتنعت عن إعطاء هذه الأداة لها، ولم ينفض هذا الاشتباك إلا بعد تدخل السجانة، التي اتخذت من اتهام السجينة المدمنة لليال – بأنها تهرب رسائل إلى السجينات الفلسطينيات – ذريعة لمزيد من التنكيل بها والزج بها في دياجير زنزانة انفرادية.

بمجرد انتهاء فترة تكديرها في الزنزانة الانفرادية تم نقل ليال في زنزانة السجينات العربيات اللاتي استقبلوها بحفاوة لا بأس بها، ولم يعكر صفو هذه الحفاوة إلا نظرات الشك التي كانت في عيون سناء المناضلة اللبنانية التي كانت تظن طوال الوقت أن ليال عميلة لصالح إدارة السجن، وزاد هذا الظن لدرجة تهديدها بأنها ستجز رقبتها بأداه حادة إذا لم تخبرها عن طبيعة علاقتها بإدارة السجن، وذلك بعد تفتيش الزنزانة بصورة مفاجئة من السجانة التي كانت تتحين كل فرصة للتنكيل بهن، خصوصًا بالشابة الفلسطينية جميلة صاحبة الروح المليئة بالثورة على ظلم الاحتلال الصهيوني بصورة عامة، وعلى تعسف إدارة السجن معهن بصورة خاصة.

ازداد الوضع سوءًا بمعرفة ليال بحملها الذي لم يكن على البال أو الخاطر، بالنسبة لليال ولمأمورة السجن التي سعت بشتى الطرق إلى إقناع ليال بإجهاض حملها، وكان هذا أمرًا طبيعيًا من قبل قاتلي الأطفال، إلا أنه لم يكن طبيعيًا بالنسبة لزوج ليال الذي حاول هو الآخر إقناعها بإجهاض هذا الحمل،  بحجة الظروف غير الملائمة التي تمر بها ليال، ولكن محاولته هذه ذهبت أدراج الرياح أمام إصرار ليال على حملها، الأمر الذي أدى إلى ميلاد ابنها الأول، نور، بين أروقة السجن.

شهد هذا السجن مشاهد إنسانية رائعة تجلت في إنقاذ ليال للسجينة الإسرائيلية المدمنة التي سبق وأن تشابكت معها بدنيًا، وهي على بعد خطوات من الموت، فلفت هذا الموقف انتباه السجينة الإسرائيلية التي نشأت علاقة صداقة بينها وبين ليال غير مفهومة جعلت هذه السجينة أن تقدم المساعدة لليال وللسجينات الأخريات في أكثر من مناسبة، فجذب هذا الود انتباه إحدى السجينات الإسرائيليات، لا سيما عندما لاحظتها وهي تشارك – بالغناء – السجينات العربيات وهن تحتفلن بالعام الثاني لميلاد نور.

قدم لنا هذا الفيلم أيضًا مهنة المحاماة في أرقى صورها، تمثلت هذه الصورة في دفاع محامية إسرائيلية عن ليال ودفاعها عنها لم يكن شكليًا، بل كان نابعًا من قلبها، على الرغم من الضغوطات المعنوية التي كانت تتعرض لها من قبل مأمورة السجن التي كانت تُذَكرها بمقتل ابنها على أيادي عربية، إلا أن هذا الدفاع الصادق عن ليال لم يتوج بالنجاح لرفض ليال الافتئات على الصبي الفلسطيني الذي نقلته بعربيتها وهو جريح، فكانت مغبة صلادتها هذه وإحقاقها للحق الحكم عليها بثماني سنوات.

جسد هذا الفيلم أيضًا نضال الأسيرات الفلسطينيات وتشابكهن مع الأحداث التي كانت تجري خارج أسوار السجن؛ فبمعرفتهن الاجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني دخلن في إضراب مفتوح، فترتب على هذا الإضراب مزيد من التنكيل بهن عن طريق فصلهن عن بعضهن البعض في زنازين انفرادية لفترة محدودة، وتصاعد هذا الإضراب بمعرفتهن ما حدث في مخيمي صبرا وشاتيلا عن طريق صحيفة اختلستها السجينة المدمنة لهن من مكتب المأمورة، ووصلت ذروته عند استشهاد جميلة برصاص أحد جنود الاحتلال في خضم العراك الذي نشب بين المناضلة اللبنانية سناء وبين زميلة لها أضحت عميلة لصالح إدارة السجن تحت وطأة الضغوطات التي كانت تتعرض إليها من ناحية, ووحشتها لأبنائها من ناحية أخرى.

أخيرًا دخلت الفرحة على السجينات العربيات بعد إدراج عدد منهن في قائمة المفرج عنهن بمقتضى اتفاقية تبادل للأسرى بين المقاومة والاحتلال الصهيوني، إلا أن اسم ليال لم يدرج في قائمة السجينات المفرج عنهن؛ فلم تعد إلى أحضان أمها وابنها – الذي سلب من بين أحضانها بعد مساومتها لفك الإضراب مقابل الإبقاء على ابنها بين أحضانها – إلا بعد أن قضت عقوبتها الظالمة كاملة داخل السجن.

كانت هذه هي نهاية حكاية إحدى الأسيرات التي قضت من عمرها سنوات في غياهب السجون على خلفية أتهامها بمجموعة من الإتهامات الملفقة لها من قبل الاحتلال، وللأسف يوجد على غرارها العديد من الأسيرات اللاتي تتعرضن لانتهاكات مريعة تفوق بكثير الأنتهاكات التي تعرضت إليها ليال في هذا الفيلم الذي نقل لنا مسحة من المعاناة التي تتعرض إليها وما زالت تتعرض إليها الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال. عاش كفاح الشعب الفلسطيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد