مُؤخرًا، كنت قد كتبت هذه السطور التي ارتحت جدًا عقب كتابتها، مفادها باختصار أننا نحن الفلسطينيين في قطاع غزة نعيش ظروفًا شديدة التشابه بمجموعة المحكوم عليهم بالسجن مدى الحياة ظلمًا.

ولكوني أعيش في هذا السجن، وجدت أنه من الأحق فعلًا أن أوضح لماذا نعيش في ظروف مشابهة مع المحكوم عليهم بالسجن مدى الحياة، ولكن بطريقة أخرى.

مسميات بسيطة أطلقتها من بين آلاف المسميات التي ربما قد أطلقها أي فلسطيني عاش ظروفها، حاولت ما استطعت إليه سبيلًا أن أوضحها لك من خلال هذه المقالة.

أتحدث عن صفوف من المسافرين من أصحاب الإقامات والجوازات الأجنبية والتأشيرات والطلاب والمرضى ذوي الحالات الخطرة… إلخ يحدقون بعيون غائرة في بابِ عملاق مطبوع في أعلاه اسم «معبر رفح البري»، جلّ أحلامهم تحقيق الكلمة الأولى من الاسم، ليعبروا إلى حيث احتياجاتهم خارج وداخل حدود غزة السجينة.

كيف نسميه معبرًا؟ لا يمكن أن نصفه بتلك الأوصاف الترفيهية، كمعبر السياحة، أو السفر السهل الذي يتمتع به باقي أجناس الأرض دون أن يشعروا؛ إن شئتم نسميه العذاب، أو الآلام أو الموت، فقد قضى على أبوابه الكثير من المرضى وكبار السن ممن تعذبوا نفسيًا وجسديًا في آخر لحظات عمرهم مما أجبر «ملك الموت» على انتزاع أرواحهم لطول انتظارهم في الخروج من غزة لتلقي العلاج.

أو ربما نسميه المُعطل؛ فكم من طالب تعطلت دراسته وآخر فقد مقعده الدراسي في الجامعة وشباب أرادوا الانفتاح على العالم لتبادل الخبرات والثقافات ولتنفس الحرية خارج غزة، على أمل أن يشق هذا الجدران ويلحقهم مع طوابير الطلاب والشباب هناك.

سخرية، نسميه المخاض، حيث حضر ميلاد أطفال لأمهات من خارج غزة وهن في باحات الانتظار للدخول إلى أماكن سكناهم فيها، حتى إن أحد المواليد سُمّي «معبرًا»، وإنّي لأشفق عليه من هذا العبء الثقيل الذي سيرافقه طيلة حياته، فلا ذنب له إلا أن الزمن توقف بأمه، ساعة ولادته، وهي تعبر «المخاض» كما اصطلحنا عليه وليس المعبر!

أو نسميه المُفرّق، وهناك من أصحاب الجوازات الأجنبية حرموا من الوصول إلى عوائلهم وأبنائهم أسابيع وشهورًا، أو اصطلح عليه اسم المُفسد، وفتيات وشباب أفسد عليهم موعد زفافهم لأزواجهم وزوجاتهم خارج قضبان غزة.

أحلام أزهقت على أبواب هذا المسمى «معبرًا» الذي يربط جنوب فلسطين (قطاع غزة) مع جمهورية مصر العربية، فهو في حادثة غريبة، لم يكن مثل باقي المعابر الحدودية بالعالم سواء البرية أو المنافذ البحرية أو الجوية في مهمتها أنها للعبور بل باب موصد بإحكام كأنه جدران!

حقيقة لا أروي قصصًا من العهد النازي، إنها الأهوال التي يعيشها قرابة مليوني فلسطيني من سكان غزة، منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في 28/9/2000 مع الاحتلال الإسرائيلي الذي أدمن متعة التحكم بحياة الإنسان الفلسطيني في محاولة إذلاله وتركيعه، عبر إجراءات القهر التي كانت تخترعها وتطبقها قوات الاحتلال عبر هذا المعبر، وذلك بهدف تدمير حياة ونفسيات أبناء الشعب الفلسطيني، وجعل آلاف الناس تبيت أحلك لياليها، التي قد تصل إلى شهور، منتظرين
المرور دخولًا إلى غزة أو خروجًا منها.

بعد هذا كله هل ما زلت ترى أنه يسمى «معبرًا»؟! وهل مما يقبله العقل أو المنطق سجن إنسان في رقعة جغرافية صغيرة، خاصة أن هذه الرقعة ليست مؤهلة لتلبية كل احتياجاتها الأساسية لاستمرار الحياة؟ لم أعد أستوعب، هل صوتنا غير مسموع، أو صورتنا مشوشة، أو لغتنا غير مفهومة، أم أننا نناشد أناسًا «صمًا بكمًا عميًا»، حقًا لستُ أدري!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد