متي يستفيق العقلاء الوطنيين داخل المؤسسة العسكرية؛ ليوقفوا مؤشر الكراهية المتصاعد بينهم وبين غالبية المصريين منذ حدوث الانقلاب في يوليو (تموز) 3013.

دعونا أولًا نتفق أنه لا يوجد مصري محب لتراب المحروسة، يهرول بالصعود للهاوية بكراهية جيش وطنه أو يسْخر من أعماله أو يسّتهزأ بقادته، لأن الجيش هو رمز العزة والكرامة لأي وطني على ظهر البسيطة وحين ينكسّر جيش بلد ما ، تنكسر عزة شعبه وكبريائه بين الأمم، وهل تناسينا ما حدث بعد نكسة 1967 حين وقف الجميع يعيد للجيش كبريائه؛ لأنه كبرياء وطن .

فالجيش بوظيفته المنوط بها في العُرف والتّاريخ قديمه وحديثه ، حامي حمّى الديار يحافظ على الأرض ويذود عن العرض و هو العمود الفقري في نهضة البلاد، حين تكون مهامه في حدود الدستور والقانون وبلا إفراط أو تفريط.

لكن ماذا عن قادة المجلس العسكري الذين تآمروا على إرادة شعبه، حين انقلبوا على الرئيس المنتخب، وقتلوا الآلاف، وتمادوا في غيّهم، باستخدامهم البطش والتنكيل؛ ليسكتوا المعارضين تحت وطأة السلاح، وراحت أيدهم تمتد لثروات البلاد لتنتفخ بطونهم، دون مراعاة للظروف الاجتماعية للشعب الذي يستقطع من قوته ليدفع رواتبهم، وكأن المصريين رعايا عندهم أو أسرى يتصرفون في مقدراتهم، دون رقيب أو حسيب.

وإلا فما معني اقتحام الجيش كل مناحي الحياة، من رأس الدولة إلى الوزارت وإدارة المحافظات والمدن والقرى والنوادي ومشاريع الصرف الصحي والزراعة والتعليم والطرق والكباري والأنفاق والبناء وأخيرًا الدواء والألبان.

في تصوري أن توسع إمبراطورية الجيش إلى هذا الحد يعود لعدة أسباب من أهمها.

أولًا: أن قادة الجيش يرون أنفسهم طائفة الله المختارة الذين ابتعثهم الله بمعجزات خارقة، كالأنبياء ليقوموا بعمل  كل شيء، معصومين من الخطأ والزلل، وهم الأمناء والمؤتمنون على هذا الشعب «القاصر» وبناءً عليه لأحد يحاسبهم!

ثانيًا: في عقيدة قادة العسكر أن كل مصري لا يرتدي البزة العسكرية هو متكاسل أو لص أو ومتآمر فلا يؤتمن على أي عمل، وبالتالي يصبح من حقهم «شرعًا» القيام به بدلًا منهم بدافع الواجب الوطني!

ثالثًا: الجشع والطمع والنهم الذي أعمى أبصارهم فجعلهم يهرولون للحصول على المغانم والامتيازات، فامتدت أيديهم للاستيلاء على كل ما يمكنهم الوصول إليه، وكأنهم أمام ميراث حشري لا صاحب له فانشغلوا بالاستلاء عليه، في الوقت الذي ابتعدوا فيه عن دورهم المنوط لهم في الدستور من حماية الوطن ومقدراته.

الرابع: لو أن المؤسسة العسكرية تريد خيرًا لهذا الوطن، كما يتشدقون، لكانت أولى إصلاحاتهم بعد انقلابهم وسيطرتهم على مفاصل الدولة من حكومة ومجلس التشريع والهيئات خاصة، البدء بالمشروعات التي يعود نفعها على المواطن، وليس الدعاية للحاكم الفرعون، كما أنهم لم يجتهدوا في  سن قوانين العدالة الاجتماعية، وسد الثغرات التي تمنع سرقة المال العام، ومحاسبة كل المقصرين والضرب بيد من حديد على ناهبي ثروات البلاد، بدلًا من المصالحة معهم!

الخامس: لماذا نستبعد وجود خطة محكمة لإهانة الجيش «وهذا ما لا أتمناه» بالإصرارعلى إقحامه في معترك الحياة المدنية، بهذا الشكل المفرط ليكون عرضة للنقد والإستهزاء؛ لنصل في النهاية إلى ضياع هيبة المؤسسة العسكرية؛ فنكون قد وصلنا إلى بداية الإنهيارالحقيقي.

إذا حين تصل المؤسسة العسكرية إلى هذه الحالة من الهيمنة والإستبداد على كل مناحي الحياة، فلا  يلومن قادتها، إلا أنفسهم، فيما وصلت إليه العلاقة بينهم وبين الشعب المصري، وبدلًا من الاعتزاز به، راح الجميع يتحين الفرصة ليسخر ويستهزأ بهم وبأفعالهم، بعد أن أصبح حال البلاد في مرمى جيوبهم والعباد تحت رصاص بنادقهم وسجونهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد