يقول د. أحمد خالد توفيق «في حياة كل إنسان لحظة لا تعود الحياة بعدها كما كانت قبلها»، أزعم أنه في حياة كل منا لحظات لا تعود الحياة بعدها كما كانت من قبل، لحظات فارقة بقدر قوتها، رسائل إلهية كزلزلة تصيب الإنسان لتُلقنه درسًا من دروس الحياة يدرك به معنى آخر للحياة أقرب مايكون لمعناها الحقيقي، ويراها بحقيقتها فينظر بعين البصيرة لأقدار الله، رسائل لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم ليتحقق فيه قول الله «وَلِتُصنَع على عيني»، وليشهد بها جمال تربية الله له!

في إحدى الأيام بينما كنت أجلس بمقر عملي بمجالي الثاني في رحلة البحث عن الذات «ذلك المجال الذي التحقت به اضطرارًا هربًا من البطالة بعدما تركت عملي بمجالي الأول» جاء أحد العاملين ليعلق بعض اللوحات التي تحمل بعض الآيات القرانية فيشاء القدر أن توضَع أمامي لوحة بها الآية «الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون»، خفق قلبي وتعلقت عيناي بالآية ووقع في قلبي خاطرة بأنها رسالة من الله، لا أنكر أنني قد أصابني فزع من الموقف، وأكملت يومي قلقة أنتظر حدوث شيء ما، في صباح اليوم التالي قبيل صلاة الجمعة كنت أصلي حينما سمعت صوت أمي تجيب على الهاتف وتردد كلمات مخيفة بصوت منزعج، أتممت صلاتي لأعلم منها أن زوج أختي بالمشفى، في دقائق معدودةٍ خلى البيت ولَم يبق فيه سواي وأبي المريض، أحاول أن أُطمئنه بسكينتي، أدَّعي عدم اكتراثي بالحدث في محاولة مني لإقناعه بأن الأمر هين، إلى أن جاء اتصال من المشفى ليخبرونا بوفاته، كانت تلك هي المرة الأولى التي أواجه فيها مصيبة الموت، كنت قبل ذلك أخشاه تمامًا، أخشى على أحبتي منه، لكنه جاء في هيئة غير تلك التي طالما ارتسمت له بخيالي، كنت أظنه لا يحصد إلا العجائز والمرضى فكانت صدمتي منه هنا ضعفين فقد حصد الموت شابًا معافًى فجأةً، ما زلت أذكر صوت أختي ونحيبها في الهاتف، وما زلت أذكر صمتي لعجزي فلم أتفوه بشيء، أخبرتها بصوت يُخفي دموعي بأن أخي في طريقه إليها وأغلقت الهاتف، مرت بي الدقائق الأولى وأنا أحاول استيعاب الخبر، لا بكاء ولا كلام ما زال رنين أصواتهم في أذني ثم تذكرت الرسالة، الآية التي لم تقع في طريقي عبثًا وأدركت حكمتها فأخذت أردد «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون»، أعلم يقينًا بأنه لولا أن شاء القدر بمرورها أمام عيني في اليوم السابق ما كنت تذكرتها في مصيبتي لكنه الله لطيف بعباده أراد أن يُثبتني ليرى مني ما يحب، هكذا كانت رسالته لي «ولولا أن ثبتناك»!

كانت هذه رسالته الأولى أو بالأحرى كانت المرة الأولى التي أدرك فيها رسائل ربي، وكانت اللحظة التي لم تعد حياتي بعدها كما كانت قبلها، أدركت منذ ذلك اليوم أني حقًا أحيا في معية الله، بت أستشعر رسائله في كل ما يحدث.

في عملي بمجالي الثاني، كنت أشعر أن باب مستقبلي قد أُغلق، وأن عمري سيُدفن بهذا المكان وكل جدي في سنوات الكلية قد ضاع هباءً، لتأتيني يومًا إحدى زميلاتي به وتخبرني بأنها ترى في وجودي بهذا المكان خسارة كبيرة وأنها بدأت تسعى من أجلي للحصول على فرصة في مجال آخر ذكرت لي اسمه لكني كنت أجهله حينذاك فلم أهتم بكلامها كثيرًا، واكتفيت بشكرها ولَم أُعقب، في خلال أيام قليلة جاءني اتصال من أحدهم يخبرني بموعد مقابلة شخصية للالتحاق بوظيفة ما تلك التي قد سبق وحدثتني عنها زميلتي، انهيت المكالمة وما زلت لا أعلم شيئًا عن هذا العمل المجهول، ذهبت للمقابلة لأجد نفسي رقمًا بين أعداد ليست بالقليلة فتُحدثني نفسي بأن الأمر ليس سهلًا، ثم تمر أيام قليلة لأعلم أنه قد تم اختياري لهذه الوظيفة والتحقت بعملي الجديد ومجالي الثالث، ذلك المجال الذي أحببته حقًا وأكملت فيه وأظن أنني وجدت فيه أكثر مما تمنيت، وليصبح مكاني بالأمس ذلك الذي ظننت يومًا أنني سأُدفن فيه هو بابي للخير، فلولاه ما قابلت تلك الجميلة التي كانت سببًا ساقه الله لي ليفتح لي به باب أمل جديد، هكذا كانت رسالته لي «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خَيرٌ لكم»!

في إحدى ليالي الشتاء الجميلة كنت مع رفيقة عمري، نسير بأحب الشوارع إلى قلبي نهيم به بينما كانت السماء تمطر أمسكت بيدي وقالت لي: «تذكرين منذ عدة سنوات كنا بنفس المكان حينما أخبرتيني بأمنياتكِ وكنا نضحك منها كنا نراها مستحيلة ودربًا من الجنون، ها هي تلك الأمنيات صارت حقيقة»، كانت كلماتها بمثابة صفعة على وجهي، نعم كانت لدي بعض الأمنيات كنت أراها يومًا ما بعيدة المنال أتتني من دون سعي مني ساقها الله إليّ بشكل جعلني نسيت تمامًا أنها يومًا ما كانت حُلمًا، هكذا كانت رسالته لي «هو عليَّ هين»!

منذ عدة أشهر وقعت بيدي إحدى المفكرات التي كنت قد اعتدت أن أُسجل بها يومياتي بالعمل و خواطري، تصفحتها لتقع عيناي على خاطرة كانت لي صفعة جديدة، بعض الدعوات، سجلتها منذ سنوات مضت وحقًا لا أذكر متى كتبتُها يبدو أني نسيتُها تمامًا فور صياغتي لها في عدة أسطر، لتكون المفاجأة بأن الله قد استجاب لها، تحققت حرفيًا ولكن بابتلاء شديد عصف بي عصفًا كنت بسوء أدب مع قدر الله وعَمى بصيرة أراه قد حصد أجمل سنوات عمري، لكنه في الحقيقة قد أتاني في طياته خير كثير لم أكن لأبلُغَه لولا ذلك الابتلاء، هكذا كانت رسالته لي «فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا»!

كلما مرت الأيام أدركت أن أقدار الله كلها خير، وأتذكر مقولة إحداهن وأشعر معها بسعادة وفخر «كلما أدركت أنني اختيار الله لي، أحببت نفسي»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد