من البديهيات في فن التفاوض، أن يجلس الطرفان للوصول إلى حل وسط، وهذا يعني أنك لا يمكن أن تدخل مفاوضات لتأخذ كلما تريد فهذه ليست مفاوضات، وإنما يمكن أن يطلق عليها أي مسمى آخر، وربما هذا ما كانت تسعي إليه أطراف أخرى ضمن قوى إعلان الحرية والتغيير، لذا هذه هي الصورة التي نشاهدها أمامنا من عدم التزام وربما رغبة في عدم الوصول إلى توافق ينهي حالة الفراغ الدستوري الذي تعاني منه بلادنا.

اجتهدت قوى إعلان الحرية والتغيير كثيرًا للحصول على اتفاق يلبي طموحات جماهير الشعب السوداني حتى لا يتجاوزها الشارع الثائر، والكل يعرف ان هناك تباينًا لهذا الائتلاف الكبير وهذا التباين هو بالتاكيد برميل من البارود قابل للاشتعال تحت أي لحظة.

بيد أن الخبرة السياسية الكبيرة التي يحظى بها بعض قادة التحالف مثل صاحب السيادة الإمام الصادق المهدي وعمر الدقير وإبراهيم الأمين، فهي قللت كثيرًا من التصدع المبكر، إلا أن الملاحظ وكالعادة ظل الحزب الشيوعي وهو من الأحزاب العريقة تاريخيًا في هذا البلد، بات يمثل عبئا ثقيلا على التحالف، بل وحجر عثرة أمام كل تقدم في المفاوضات، إذ دائما ما يأتي بمواقف محبطة لآمال الثائر البسيط ومخذلة لرفقاء النضال، الحزب أصدر تعميما صحفيا رفض بموجبه الاتفاق جملة وتفصيلا بعدد من الحجج أكثرها مثيرة للسخرية. إن الحزب أي الشيوعي مغيب عن ما يجري في المفاوضات، إذ كيف يكون الحزب مغيبًا عن تراجيديا التفاوض وأحد قيادييه المخضرمين المهندس صديق يوسف هو بمثابة نائب رئيس وفد التفاوض من طرف قوى إعلان الحرية والتغيير، أيعقل هذا.

لو أن هذا الحديث أتى من تجمع المهنيين لكان مقبولا بحجة أنه تنازل كثيرًا في سبيل المحافظة على وحدة صف التحالف حتى ظن البعض أنه ضعف وقلة خبرة، فيعلم القاصي والداني أن تجمع المهنيين له القدح المعلى في تحريك الشارع السوداني وقلب الطاولة على نظام البشير.

لكن أن يأتي الممانعة ورفض الاتفاق طرف حزب هو مجرد عضو في قوى الاجماع الوطني الذي هو عضو في قوى إعلان الحرية والتغيير، فهذا أمر ليس مقبولا خصوصا أن هذه مرحلة تجاوزها الزمن.

وليدرك الشعب السوداني أن ما يمارسه الحزب الشيوعي الآن من هدم وتدمير لجدار الثقة الضعيف بين كلا الطرفين هو لا يمكن بأي حال أن يبلغ بنيان الاتفاق على فترة انتقالية بشراكة بين الجيش وقوى الثورة يوم تمامه.

يقول الحزب الشيوعي إنه يرفض وجود أعضاء المجلس العسكري الانتقالي في مجلس السيادة المزمع تشكيله بمقتضى الاتفاق، السؤال بسيط هنا وهو ما علاقة الحزب الشيوعي باختيارات الطرف الآخر؟

يمكن أن يضع الحزب معايير معينة لاختيار أعضاء مجلس السيادة ليتم التفاوض عليها، لكن أن يرفض وجود أسماء بعينها من العسكريين هذه مناورة وتكتيك خبيث يبدد الزمن ويباعد بين الشركاء الذين من المفترض أن يكونوا على قلب رجل واحد لقيادة بلد يعاني سياسيًا ويترنح اقتصاديًا ومرهق عسكريًا، ثم إن اختيار وتعيين الأعضاء العسكريين في مجلس السيادة ليست تتم بطريقة اخترنا فلان أو نريد فلان فهذه مؤسسة عسكرية خياراتها محدودة وتتم وفقا لقرارات قائدها العام وهو الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان.

إن تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير من الأفضل له أن يتخذ قراراته من طرف لجنته التنسيقية بدلا من البيانات الانفرادية التي قد تحدث ربكة في الشارع وتحبط أطراف التفاوض وتقتل أحلام الجائعين إلى الخبز والحياة والحرية، لأن كل الخيارات مفتوحة، فيمكن ببساطة أن يستأذن تجمع المهنيين السودانيين الانسحاب من الرحلة ليختار طريقا آخر، وقتها يعرف الجميع حجمه الطبيعي،

اللهم احفظ بلادنا وردنا إليك ردًا جميلا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s