الثيموس عند أفلاطون

قسم أفلاطون روح الإنسان إلى ثلاثة أقسام: العقل ومستواه الرأس، ثم الثيموس ومستواه الصدر، ثم الرغبة ومستواها المعدة والجهاز التناسلي. ثم أخذ يُقسم طبقات جمهوريته التي تخيلها حسب التقسيم الذي اعتمده على الروح، اعتقادًا منه أن هناك تطابقًا بين الإنسان والمجتمع الفاضل. والذي قسمه اعتمادًا على ذلك إلى ثلاث طبقات، يأتي في أعلى الهرم الحكام، الذين يحكمون الجمهورية، وهم الفلاسفة (الذين يعرفون كل شيء عن الفضيلة)، ويأتي في الوسط الحراس والذين يتميزون بالشجاعة والشدة، ويأتي في أسفل الهرم الحرفيين والتجار والعبيد، والذي يُعتبرون طبقة دنيوية حقيرة.

فالطبقة الأولى من هرم المجتمع الذي تخيله أفلاطون، يستخدمون العقل أكثر من القسمين الآخرين (الثيموس والرغبة)، في حين أن طبقة الحراس يستخدمون الثيموس أكثر، أما الطبقة الثالثة فيستخدمون الرغبة أكثر..

الثيموس في المفهوم الأفلاطوني هو ذاك الجانب في الروح الذي يجعل الحراس في جمهوريته يموتون من أجل الشرف والكرامة. فهو الجانب التي يدفع الشخص، للمخاطرة من أجل حماية أسرته ووطنه وما إلى ذلك. إذن، بهذا المفهوم، فإن الثيموس ترتبط بالشجاعة التي تتحدى الرغبة (الحفاظ على الذات) والعقل للدفاع عن الشرف والكرامة.

لكن الثيموس بهذا المفهوم يبقى ضيقًا، لهذا جاء هيغل (وألكسندر كوجيف شارح فلسفة هيجل) ليُوسعوا من دائرة هذا المفهوم، حيث اعتبر أن الثيموس هو ذاك الدافع الذي يدفع الفرد ليحصل على اعتراف الآخر به على أنه ‘نسان. لنفهم هذه الفكرة سنحاول وضعها كما شرحها هيغل.

الصراع من أجل نيل الاعتراف (الثيموس)

اعتبر هيغل (حسب شارحه كوجيف) أن محرك التاريخ هو الصراع من أجل نيل الاعتراف، فيقول إن الإنسان في حالة الطبيعة الأولى (وهذه حالة متخيلة فلسفيًا)، دخل في صراع مع الآخر. الذي انتهى في الأخير إلى استسلام أحدهما وانتصار الآخر. وهذه النهاية تدل على أن هناك طرفان متمايزان؛ طرف خاطر بحياته، من أجل نيل اعتراف اللامادي، يعني أنه طرف فضل هذا الاعتراف اللامادي على البقاء على قيد الحياة. أما الطرف الآخر، فقد خاف على نفسه من الموت، وفضل الاستسلام ليعيش، معترفًا بذلك، بقوة الجانب المُنتصر (اعتمد نيتشه على هذه النقطة ليُنتج فلسفة إرادة القوة).

وهذا الاعتراف يعني؛ أن هناك طرفًا قويًا لا يخاف من الموت أو الألم، بل يُهمه اعتراف الآخر به. وهذا يعني أنه طرف خرج من الدائرة البيولوجية التي تشده للارتباط بالحياة، وسما فوقها ليؤكد على أنه ليس مجرد كائن يعمل على الاستمرار على قيد الحياة، وهذا ما يعني أنه أكد وجوده، كمُختلف عن الوسط الطبيعي، وهذا التأكيد شهد عليه الطرف الآخر (المنهزم) الذي خاف من الموت، ولم يستطع أن يخرج من الدائرة الطبيعية التي تشده بالحياة، فانحنى أمام المُنتصر، خارجًا من الصراع، مُعترفًا بقوة الطرف الآخر. وهكذا أصبح تحت رحمة المنتصر. ويعني هذا أنه سيعمل أي شيء من أجله حتى لا يقتله، ومن هنا ظهرت العلاقة التاريخية بين السيد والعبد. السيد هو المُنتصر والعبد هو المنهزم.

السيد نال لنفسه اعترافًا من العبد، هذا الاعتراف جعل السيد يفتخر ويتعالى فيحس بنفسه أنه أفضل من الآخر، أي يُحس بأن كرامته أفضل من كرامة العبد. فهذا الأخير يحترم السيد القوي، حتى يحفظ نفسه من الموت، وهذا يجعله يحس بالخجل لأنه مذلول أمام السيد، فكرامته تُهان، بما يمارس عليه من شقاء. هذا الشقاء الذي يُعتبر وثيقة اعتراف بين السيد والعبد. فشقاؤه يعني أنه مُستمر في اعترافه بقوة السيد، ومُحترم هذه القوة.

وهذه العلاقة التي تظهر هنا، هي علاقة ترفع السيد إلى مستوى الإنسان الذي يتميز بالحرية والكرامة، وتُنزل بالعبد إلى مستوى الشيء الذي لا حرية له ولا كرامة، بل هو مجرد وسيلة يتم استخدامها لسعادة السيد، الذي لا يسمح له مقامه بوصفه إنسانًا أن ينزل إلى الأرض، ويقوم بالعمل الذي يقوم به العبد.

إذن، هنا نلاحظ أن الكرامة والحرية (بمعنى الاستقلال) هي التي تجعل الفرد إنسانًا، في حين أن إيثار الحياة على الكرامة والتنازل عليها، هي التي تجعل الفرد عبدًا مستغلًا.

إذن، الثيموس (ذاك الدافع الداخلي الذي يجعل صاحبه يبحث عن اعتراف الآخر به باعتباره إنسانًا) خلق صراعًا (حسب هيغل) أدى إلى إفراز طبقتين، طبقة العبيد التي لديها دافع الثيموس أضعف من دافع البقاء على قيد الحياة (الغريزة)، وطبقة الأسياد التي لها دافع الثيموس أقوى من دافع البقاء.

الثيموس يتأجج في صدور العبيد

اعتقد هيغل أن اللحظة التي بدأ الثيموس يتقوى في صدور العبيد، بدؤوا يسعون لنيل الاعتراف بهم من  طرف طبقة الأسياد، أي أصبح يرغبون في الكرامة والحرية، ليُصبحوا من جنس الإنسان. وقد ساعدتهم على ذلك الديانة المسيحية التي تعتبر أن البشر جميعًا سواسية، لكن هذا الاعتقاد بالمساواة لم يطبق على الأرض، لأن المسيحية تُؤثر الحياة الأخرى على هذه الحياة الدنيوية. حيث تعد أتباعها (الذين أغلبهم من العبيد -حسب فلسفة هيغل) بالجنة والحياة السعيدة في الحياة الأخرى. وتعد الأسياد الظالمين بالعذاب والشقاء. فتطلب من أتباعها (العبيد -حسب هيغل) أن يصبروا على هذه الحياة التي ستفنى عاجلًا أم آجلًا، ويؤمنوا بأن الحياة الأخرى سيجدون السعادة الأبدية والعدالة الخالدة. فظلت بذلك الديانة المسيحية مجرد أخلاق بلا تطبيق -حسب هيغل.

وعندما جاءت الديمقراطية (التي يعتقدها هيغل من مشتقات الديانة المسيحية) قامت بإنزال الله من السماء ووضعته في البرلمان، وطبقت بذلك وعود المسيحية هنا والآن، حيث قامت بثورة على الأسياد عقابًا لهم، وبحثًا عن سعادة العبيد. وهكذا طبقت المساواة بين الجميع، فقضت بذلك عن العبودية، وأصبح الجميع معترف بهم على أنهم من جنس الإنسان. فانتهى الصراع من أجل نيل الاعتراف، فأصبح الثيموس هادئًا في صدور الجميع، فانتهى التاريخ (الذي ظنه هيغل أنه انتهى في عهد الدولة البروسية، واعتقده فرانسيس أنه انتهى مع الدولة الليبرالية الديمقراطية في كتابة «نهاية التاريخ وخاتم البشر»، فلم يعد هناك أحد في صراع، لأن الجميع راض بمكانته بوصفه إنسانًا وسط اعتراف الجميع بالجميع.

 فهل حقا انتهى التاريخ، وأصبح الثيموس هادئًا؟ وهل حققت الديمقراطية المساواة حقا بين الجميع؟ وهل انتهى الصراع في المجتمعات الإنسانية أم انتهى فقط نوع منه ليظهر نوع آخر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد