تعيش الرواية الإسبانية فترة من أكثر فتراتها ازدهارًا وانتشارًا على المستوى العالمي. من أهم الروايات التي لاقت نجاحًا كبيرًا داخل وخارج إسبانيا في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هي رواية El tiempo entre costuras للكاتبة ماريا دوينياس عن دار النشر العريقة البلانيتا والمعروفة بجودة إصداراتها. تم ترجمة الرواية إلى العربية باسم سيدة الفساتين من خلال المترجمين المغربيين شريفة الدحروش وعبد اللطيف البازة العمراني. الترجمة الحرفية لاسم الرواية هي (زمن بين غرز الخياطة)، ولكن جاء اختيار اسم (سيدة الفساتين) موفقًا جدًا ومتوافقًا مع الذائقة العربية.

الرواية هي العمل الإبداعي الأول لماريا دوينياس بنويسا وهي أستاذة اللغة والأدب الإنجليزي بجامعة مورثيا بإسبانيا. نُشرت الرواية في عام 2009 وتحولت سريعًا إلى بيست سيلر بعد أن وزعت 5 مليون نسخة وتُرجمت إلى 40 لغة، بل تحولت إلي عمل تليفزيوني من إنتاج قناة antena 3 في عام 2011. تعززت مكانة ماريا دوينياس كروائية من الطراز الأول بأعمالها التالية وهي (مهمة مستحيلة) و(العفة)، والتي تحولت هي الأخرى إلي بست سيلر في 2015، كانت آخر أعمالها هي رواية (بنات القبطان) في عام 2018.

تبدأ أحداث الرواية قبل اندلاع الحرب الأهلية بفترة بسيطة وتحكى قصة الفتاة المدريدية البسيطة سيرا كيروجا، والتي تعمل خياطة مع أمها بورشة السيدة مانويلا، وكانت مخطوبة لإجناثيو وهو شاب من نفس مستواها الاجتماعي، ولكنها تتركه بسرعة بعد أن تنبهر بشاب آخر هو راميرو أريباس الذي سحرها بوسامته ورقته خلاف إجناسيو. يظهر أبوها الذي لم تره مطلقًا، ويمنحها ثروة لم تكن تحلم بها بعد أن استشعر الخطر الداهم بسبب طبول الحرب التي كانت تدق بقوة في تلك الفترة، فقرر أن يعوض ابنته التي لم يرها مطلقًا، والتي عاشت فقيرة طيلة عمرها مع أمها المسكينة. بناء على نصيحة من الأب تسافر سيرا وراميرو إلى شمال المغرب الذي كان تحت الحماية الإسبانية في ذلك الوقت، والذي انطلقت منه قوات الجنرال فرانكو معلنة بداية الحرب الأهلية. يسرق راميرو كل الأموال التي منحها الأب لسيرا ويتركها وحيدة مثقلة بديون كثيرة في بلد لا تعرف فيها أحدًا. تترك سيرا طنجة، وتذهب لتطوان وهناك بعد الكثير من المعاناة والألم تتمكن من استعادة حياتها شيئًا فشيئًا بمساعدة كانديلاريا، وهي سيدة إسبانية تدير نزلًا متواضعًا، والتي تساعدها في افتتاح ورشة خياطة في أحد الأحياء الراقية في تطوان التي كانت تموج بجنسيات شتى في ذلك الوقت من ألمان، وإنجليز، وفرنسيين، وبالطبع إسبان. بسبب مهارة سيرا في الحياكة، والتي اكتسبتها في ورشة السيدة مانويلا بمدريد تستطيع اجتذاب سيدات الطبقة الراقية، ومنهن الإنجليزية روزا ليندا فوكس، التي كانت على علاقة بالحاكم الإسباني لشمال المغرب، وهو خوان لويس بيج بيدير، وهو شخصية حقيقية، وكان محبًا للثقافة العربية والإسلامية بشكل كبير، وأصبح أول وزير خارجية لإسبانيا بعد الحرب الأهلية، ولكن تمت الإطاحة به لاحقًا بسبب مواقفه السياسية التي كانت تميل لصالح الحلفاء في الوقت الذي كان نظام فرانكو يميل أكثر لصالح كفة المحور. تساعدها روزا ليندا بمساعدة الصحافي الإنجليزي ماركوس لوج في استقدام أمها من مدريد لإنقاذها من ويلات الحرب الأهلية. رغم وقوعها في حب الصحافي الإنجليزي، إلا أنها وبسبب ما عانته من خذلان في السابق تصر على حصر مشاعرها في نطاق الصداقة حتى يرحل عن المغرب. بعد انتهاء الحرب الأهلية ودخول فرانكو لمدريد، تتمكن روزا ليندا فوكس التي كانت تعمل لصالح المخابرات الإنجليزية في تجنيد سيرا كعميلة لهم، وتعود لمدريد بهوية مغربية، ولكن يتعرف عليها إجناثيو خطيبها الأول، والذي أصبح مسئولًا في النظام الجديد، ولكنه يتركها رغم شكوكه القوية التي كانت تقترب من حد اليقين أنها متورطة في شيء ما، ربما بسبب حبه لها الذي لم يمت رغم قسوتها معه سابقًا. تقابل أيضًا والدها الذي استعاد مكانته وثروته بعد أن انتهت الحرب، ومن الآن فصاعدًا سيمثل لها دعمًا قويًا. في نهاية الأحداث تكتشف أن الصحافي الإنجليزي كان أيضًا عميلًا للإنجليز، ورغم أن الأحداث كلها كانت تشير لنهاية سعيدة تجمع بينهما، إلا أن الكاتبة فضلت أن تترك لخيال القراء وضع النهاية بأنفسهم.

كتبت أستاذة الأدب الإنجليزي روايتها الأولى وهي في عامها الخامس والأربعين بعد عقدين من التدريس الجامعي، وهو ما يوضح مدى تأثرها بحكايات أمها التي ولدت في تطوان وغادرتها وهي تبلغ 17، وبالتالي كانت إسبانيا بالنسبة لها بلدًا غريبًا. قامت الكاتبة بتوثيق كل حكايات أمها عن فترة طفولتها بالمغرب، فظهرت شخصيات الرواية تباعًا مما يفهم منه أن الكاتبة لم يكن في نيتها كتابة رواية عن الحرب الأهلية بقدر ما أرادت توثيق حياة أمها السعيدة في المغرب قبل العودة لإسبانيا في 1957.

تجمع الرواية بين الكثير من التصنيفات الأدبية من الرومانسية إلى البوليسية والجاسوسية والمغامرات وبها خيوط شائقة عن العائلة والصداقة الخيانة وكأنها بانوراما أدبية شاملة. ومع كل ما سبق يظل أبرز خطوط الرواية هو الجانب التاريخي فكثير من شخصيات الرواية هي شخصيات حقيقة وكان لها دور كبير في صنع أحداث تلك الفترة الحالكة السواد في تاريخ إسبانيا، وهنا يتضح الجهد الكبير الذي بذلته الكاتبة في التوثيق، والذي نالت عنه الكثير من الجوائز لاحقًا، لم يقتصر التوثيق علي الأحداث التاريخية فقط، بل انسحب على الأزياء الخاصة بفترة الثلاثينات والأربعينات وهو الأمر الذي لاقى استحسانًا جماهيريًا ونقديًا. شخصيًا أتساءل هل هذه القدرة المذهلة على التوثيق هي سمة مميزة للمبدعات القادمات من خلفيات أكاديمية؟ حيث ذكرني هذا العمل برائعة رضوى عاشور (ثلاثية غرناطة) والتي للمفارقة كانت أيضًا أستاذة للأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس.

بناء الشخصيات وتطورها كان محكمًا جدًا، وخاصة سيرا بطلة العمل، جاء استخدام الكاتبة لضمير المتكلم في الحكي مناسبًا جدًا وأعطى للبطلة قدرة هائلة على التعبير عن مشاعرها في كل مراحل حياتها من طفلة تعمل في ورشة حياكة يتلخص عملها في توصيل الفساتين بعد حياكتها إلى أصحابها ولا تعرف أين أبيها، ثم فتاة على أعتاب النضوج تنبهر بشخص وسيم فتترك من أجله خطيبها الذي يحبها بجنون، ثم فتاة محطمة في بلد غريب ثم امرأة قوية ناضجة أثقلتها الخبرة والتجارب، وأصبحت تعرف قدراتها الكامنة وتمسك بزمام حياتها، بل أصبحت بمرور الوقت قادرة على التحكم في قلبها.

تركت خلفية الكاتبة كأستاذة للأدب الإنجليزي بصماتها في العمل من خلال إدخال الكثير من الجمل باللغة الإنجليزية بحرفية عالية في نسيج الأحداث.

مثلت الرواية ظاهرة أدبية فريدة في الأدب الإسباني المعاصر لأكثر من سبب؛ فمن أستاذة جامعية غير معروفة في الأوساط الأدبية تتمكن من نشر عملها الأول من خلال دار النشر الأكثر شهرة بإسبانيا وتتحول معها إلى روائية شهيرة بين ليلة وضحاها بعد أن حققت الرواية مبيعات خيالية، وهو نفس النجاح الذي حالف العمل التليفزيوني المأخوذ عن الرواية.

مؤخرًا أعلنت الكاتبة عن نشر الجزء الثاني من هذا العمل والذي اختارت له اسم سيرا، وهو اسم البطلة، والذي سوف يرى النور في أبريل (نيسان) القادم، وهو ما يتفق مع ما أصبح يمثل ظاهرة في الرواية الإسبانية في القرن الحادي و العشرين، وهي ظاهرة الثلاثيات والثنائيات، والتي ربما كانت بسبب النجاح المنقطع النظير في بداية الألفية لرباعية الكتب المنسية للبرسلوني كارلوس رويث ثافون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد