النمور الآسيوية مصطلح أطلق أساسًا على أربع دول «كوريا الجنوبية، هونغ كونغ، تايوان، ماليزيا».

لكن عالميًا معظم منطقة شرق آسيا اليوم تعد نمورًا، وأبرز وأشهر هذه النمور هي اليابان أول دولة آسيوية خطت لنفسها طريقـًا اقتصاديًا في العالم، وهي عراب المنطقة؛ فمعظم الصناعات والاستثمارات في آسيا هي لشركات يابانية، سواء ماليزيا أو كوريا أو تايوان.

وقد أطلق عليها «النمور» لأنها حكومات اتبعت أساليب اقتصادية قد تبدو محفوفة بالمخاطر وبها قدر عال من المجازفة، إلا أنها أتت بثمارها بشكل يفوق المتوقع، فكثير من حكومات العالم تحاول دائمًا ضبط سوق العملة والاقتصاد المحلي، خشية استغلال ذلك من قبل دولة أخرى مما يسبب انهيارًا تامًا للاقتصاد.

أما النمور الآسيوية فقد قامت بالعكس تمامًا؛ حيث عملت على تحرير سعر صرف عملتها المحلية «الدولار» – بمعنى أن كل بنك أو مؤسسة مالية تحدد سعر العملة لديها على حسب الرصيد الاحتياطي من العملات الأجنبية المختلفة- كما ألغت الضرائب التي عادة ما تفرض على الصادرات والواردات التجارية مما بث روح الحيوية في النشاط التجاري هناك، وما زالت تلك السياسة متبعة حتى إن اقتصاداتها توصف بالاقتصاديات الحرة أو الاقتصاد الخالي من الضرائب.

وعلى سبيل المثال هونج كونج لا يوجد لديها بنك مركزي تمتلكه الحكومة، بل تنتشر البنوك سواء المحلية والأجنبية في الدولة دون فرض أي قيود مالية عليها، مما ساهم في تسليط الضوء عالميًا على عملة هونج كونج المحلية وربطه دائمًا بالدولار الأمريكي. ومن ضمن النهج الاقتصادي الذي تتخذه حكومة هونج كونج هو تحرير قيمة الفائدة على الودائع والقروض المالية للبنوك؛ فكل بنك يقوم بتحديد قيمة الفائدة الخاصة به مما يعمل على خلق روح التنافس بين الكيانات المالية هناك، والذي يصب في النهاية في مصلحة الاقتصاد العام للدولة.

1- اليابان:

يقدر عدد سكانها بـ 127مليون نسمة، وبدخل فردي يقدر بـ 32 ألف دولار.

يبقى العجب الذي يثير كثيرين في العالم، شعوب شرق آسيا «اليابان- الصين- كورياج- كورياش» شعوب ذات إصرار عنيد وعقيدة عمل متناهية الدقة والكفاح الطويل من أجل الوصول لتحقيق الذات أولاً وإثبات الشخصية.

فاليابان كلنا يعلم أنها إحدى أقوى الإمبراطوريات في حقبة سابقة من التاريخ ما قبل الحرب العالمية الثانية، وكانت الشرطي المسيطر على منطقة بحر الصين، وحاولت التوسع غربًا، وكان لها ذلك قبل أن تدخل في مواجهة صريحة مع الولايات المتحدة، الذين لم يقدروا على هزيمة هذا الشعب العنيد إلا بعد استخدام سلاح الدمار الشامل «الذري» حتى أعلنت الاستسلام والقبول بشروط الأمريكان، إلى يومنا هذا يمنع الشعب الياباني من العودة لمجال التصنيع العسكري «التسلّح»، وترك لليابانيين كافة المجالات لإبراز وجه الشعب الياباني المشرق الذي نافس الأمريكان طيلة ثلاثة عقود ويزاحمها اقتصاديًا وتجاريًا وصناعيًا منذ منتصف الستينيات حتى أواخر التسعينيات، وما زالت رقمًا صعبًا في عالم التجارة والاقتصاد، حتى حينما برزت الصين لاعبًا اقتصاديًّا دوليًّا مؤثرًا جديدًا على الساحة الاقتصادية العالمية، ما زالت اليابان قوة اقتصادية مؤثرة ولها مكانتها العالمية.

2- الصين:

يقدر عدد سكانها بحوالي 1,340 مليار نسمة، ومعدل دخل الفرد 12 ألف دولار.

تبقى الصين الدولة الشيوعية الوحيدة في هذا النظام العالمي المستمر على نهج الفلسفة الشيوعية، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حاضرة ومؤسسة النظام الشيوعي، فإن كانت الصين تمثل أكبر شعوب هذه المعمورة التي رأت عند قيامها أن تحقق امتلاك القوة العسكرية الرادعة أولاً قبل تحقيق الانطلاقة الاقتصادية، وكان لها ذلك عقب قيام جمهورية الصين عام 1949م؛ حيث سعت جاهدة منذ الوهلة الأولى نحو ذلك، والتي يعتقد قادتها أن العالم لا يحترم إلا الأقوياء؛ فأخذت طريق بناء ترسانتها العسكرية حتى تمكنت من تفجير قنبلتها النووية عام 1968م معلنة للعالم رسميًا أنها قوة عظمى جديدة على الساحة، لتدخل النادي النووي إلى جوار الأمريكان والسوفييت والفرنسيين والإنجليز قوةً خامسة تضمن لنفسها قوة ردع ضد كل من يحاول التفكير بالاعتداء، وعلى الفور اتجهت إلى طريق الانفتاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، أطلق عليها مصطلح «ثورة مواتسي» لبدء مرحلة بناء جديدة، ولم يمر عقدان حتى أصبحت الصين أحد النمور الآسيوية الأسرع نموًا في العالم، مبشرة العالم بقدوم المارد الصيني ليصبح أكبر قوة اقتصادية في العالم، تاركة الولايات المتحدة خلفها في حجم التجارة الدولية، وثاني أكبر اقتصاد في العالم.

3- كوريا الجنوبية:

يقدر عدد سكانها بحوالي 53 مليون نسمة، ومعدل دخل الفرد بحوالي 34 ألف دولار.

أما النمر الكوري الجنوبي من بعد خروجه من حرب مدمرة مع جارتها عام 1953م أرادت ان تضع البديل للعسكرة والتسلح والسباق في بناء الجيوش؛ فكانت لها رؤيتها الواضحة وهي بناء الاقتصاد وصنع الرفاهية للشعب الكوري، كأكبر رد لعدوها اللدود وجارتها الشمالية؛ فسعت نحو ذلك منذ مطلع الستينيات لتحقيق النهضة الاقتصادية والمعجزة الكورية الجنوبية؛ لإثبات للعالم ولجارتها بأنه بالإمكان الوصول لتحقيق أعلى معدلات الرخاء للشعب من خلال التنمية الاقتصادية، لتبدأ عجلة التنمية تدور سريعًا، وما هي إلا سنوات قليلة حتى يتمكن المنتج الكوري الجنوبي من سيارات وإلكترونيات وصناعات ثقيلة من غزو العالم بسرعة، لدرجة جعلت العالم يذهل لهذا الشعب العنيد الذي أنجز مشاريع عملاقة خارج الحدود الكورية في شتى أنحاء العالم، حتى أصبح دخل الفرد الكوري الجنوبي من أعلى الدخول الفردية في العالم والأعلى في شرق آسيا، حتى من نظيراتها اليابان والصين وكورياش، جاعلة الشعب الكوري الشمالي الجار ينظر بلهفة وإعجاب وأمل وشغف لجارتها الجنوبية.

4- كوريا الشمالية:

يقدر عدد سكانها بحوالي 24 مليون نسمة، ومعدل دخل الفرد بحوالي 1800 دولار.

أما كوريا الشمالية وسلطتها المستبدة الديكتاتورية رأت أن ترسم طريقًا مغايرًا ومفهومًا آخر لسياستها، واتخذت طريق عرابتها «الصين» القوة العسكرية أولاً ثم الطرق الأخرى، وهو ما جعلها تسير في الطريق نفسه الذي سارت عليه الصين، وبالفعل حققوا المراد بعد سلسلة من التفجيرات النووية والذرية لإرسال رسالة محددة للعالم، الآن كوريا الشمالية أصبحت قوة نووية لا تقل عنجهية عن الأمريكان.

ورسالة للعالم عليه أن يتقبل كوريا الشمالية كما هي، ولا بد من رفع الحصار والعقوبات الدولية لترك مجال للشعب الكوري الشمالي كي يبدع ويظهر الصورة المغايرة والحضارية، والذي لا يقل حرفية ومهنية وإنتاجية عن جارتها اللدود الجنوبية.

ومثلما أبدع الشعب الكوري الشمالي بالعزيمة والإصرار وبعند شديد للوصول للنادي النووي؛ فإنه بإمكان الشماليين تحقيق معجزة في المجال الصناعي والسياحي والاقتصادي، وما على العالم إن أراد السلم إلا القبول بكوريا شمالية قوية والبدء برفع العقوبات، وبعدها لكل حادث حديث، وهذا ما سيحدث في العاجل القريب.

هكذا هي الشعوب الحية والحكومات التي لديها أهداف حقيقية، يذكرها التاريخ ويخلدها عندما تصر على تحقيق الإنجاز لبلدانها والوصول بها لمصاف دول العالم، بالإصرار وحده يكون لها ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد