الفشل هو الإخفاق في تحقيق شيء ما أو الوصول إلى هدف معين، ولكن هل تعلمون أن الفشل ليس مخيفًا ولا مرعبًا مثلما تظنون؟ الفشل ليس ذلك الشيء المفزع الذي يصورونه لك في العالم، هذا العالم يا صديقي ليس مكانًا للناجحين، بل هو مكان للذين استطاعوا أن يتأقلموا مع قواعد هذا العالم المادية، فأصبحت أحلامهم مادية تتمحور في المال والملابس والشقق الفخمة، وجعلتنا نفعل الأشياء بلا شغف أو حب، بل نفعلها لنجني من ورائها المال، الأشخاص الذين يرهقون أنفسهم بشدة في العمل أو في مجموعة أعمال ويستهلكون جهدهم وقدرتهم ووقتهم في العمل ويجنون الكثير من المال يسمونهم ناجحين، ويفكرون بشكل عملي، بينما الحياة يا صديقي وُجدت لنستمتع بما نفعله لا أن نُجبر على فعله، وأن نشعر بالسعادة لا بالجهد والإرهاق وضيق الوقت والتوتر، لذلك سأحدثكم عن واحد من أعظم الفاشلين في التاريخ.

«تيم بيرتون، هو مخرج وكاتب ومنتج سينمائي أمريكي عالمي. ويعتبر أحد أساطير الإخراج وسيد من أسياد السينما».

ربما يعد هذا هو الوصف المناسب والدقيق لشخص مجنون كتيم بيرتون، أنا أعتبر هذا الرجل هو صاحب العزاء الحقيقي لكل فاشلي العالم، هذا الرجل يحب الفاشلين ويميل إليهم، يرفق بقدرتهم الضعيفة على التأقلم مع هذا العالم المادي الذي يريد من الجميع أن يكون هدفهم هو أن يصبحوا أثرياء أو مشاهير ويرسم لهم خطوط حياتهم ويتحكم في مصائرهم بل ومقدار المعلومات التي يجب أن يتم تلقينها لهم وكيف يتم ذلك.

هذا الرجل أرى فيه عظمة الفاشلين والضعفاء، هذا الرجل أرى فيه أكثر من مجرد خيال بعيد عن المنطقة التي اعتدناها، وأكثر من مجرد ماكياج متقن ومُثقل برؤيته الفنية ويديه التي رسمت مرارًا وتكرارًا شخصيات وحركتها أمام الكاميرا، هذا الرجل أرى فيه ما هو أكثر من مجرد رجل سوادي وفانتازي، هذا الرجل «سيد من أسياد السينما».

شخصيات هذا الرجل دائمًا فاشلة، ونهايات تلك الشخصيات وتلك الأفلام ليست سعيدة، وبمعنى أدق ليست حزينة جدًا أيضًا، بل تغلب عليها لمسة الواقعية على الرغم من أن أفلام هذا الرجل في أغلبها فانتازية وكوميدية وليست واقعية مطلقًا، ولكن دائمًا ما تلامس نهايات أفلامه الواقعية لينتج لنا نهاية ليست سعيدة ومبتذلة وليست حزينة موجعة دون مبرر، بل هي نهايات واقعية مُرضية أحيانًا وإن كانت حزينة فهذا دائمًا يقودنا إلى نقطة أراد بيرتون توضيحها بشدة، وهي أننا مهما كنا مجانين ومختلفين فهذا العالم لا يتحمل جنوننا واختلافنا ويرى في عدم قدرتنا على التأقلم على القواعد التي وضعها مجموعة من القوم لهذا العالم فشلًا، لذلك صنع بيرتون أفلامه عن الفاشلين لدرجة أنه اختار جوني ديب في ذلك الوقت كان يعتبر نفسه ممثلًا فاشلًا بالفعل ليكون بطلًا للعديد من أفلامه.

شخصيات فشلت في التأقلم أو الحب مثل إدوارد Edward Scissorhands ذلك المسكين ذو الشخصية البريئة وفي الوقت ذاته المميزة ذات الخيال الواسع والمبدع الذي حول الأشجار إلى أشكال فنية وحول الثلج إلى تماثيل، وقام بتجميل خصلات شعر السيدات وصنع أشكالًا من فراء الحيوانات، لقد كان مختلفًا وهذا جعل من العالم مكانًا لا يستوعب هذا الجمال والاختلاف، وجعله منبوذًا من الجميع، لقد فشل إدوارد في البقاء مع «كيم» أو التأقلم مع هذا العالم وعاد كما كان، ومع ذلك يعد بالنسبة لي واحدًا من أعظم شخصيات تيم بيرتون والتي يفضلها هو ذاته على باقي شخصياته.

كلمة «الفشل» في حد ذاتها التي تظهر موجعة وكئيبة ومخيفة جدًا لدينا جميعًا لم تكن بتلك الحدة بالنسبة لبيرتون، في الحقيقة هذا الرجل يميل للفشل وللفاشلين ويعتبر نفسه واحدًا منهم، ويعد هذا أحد أسرار عظمته، فقد نجح باعتباره مخرجًا في أن يعبر عن الفاشلين بعدما فشل هو ذاته مرات ومرات في التعبير عما بخياله الخصب ومع هذا الفشل تحولت منطقة الفشل بحد ذاتها إلى أرضه الخصبة التي زرع فيها شخصياته الفاشلة وحصد نجاحًا فنيًا كبيرًا مما سبب له الشعور بالسعادة لأنه أحس بالرضا عن أعماله السينمائية التي استمتع بصناعتها.

شخصيات بيرتون الفاشلة لا تتلخص في إدوارد فقط بل أيضًا هناك من فشل في الإخراج مثل Ed wood الذي يعتبر أفشل مخرج في التاريخ، فقد صنع بيرتون عنه فيلمًا، نعم صنع عنه فيلمًا وهذا الفيلم موضوع في قائمة imdb ضمن أفضل 250 فيلمًا في العالم، إد وود هو مثله الأعلى في الإخراج، ذلك الرجل الذي كان يفشل في أبسط الأشياء وأكثرها منطقية، مثل أن يبدأ تصوير مشهد في النهار ويكمل تصويره في المساء دون مراعاة للخط الزمني أو منطقية الصورة، ولكنه كان يقول إن الفكرة المحورية هي ما يهمه أكثر، لقد كان إد محاطًا بظروف إنتاجية صعبة جدًا وفي الوقت ذاته كان الرجل يود إرضاء حبه العميق والشغوف بالسينما، على الرغم من أن ميزانيات أفلامه شبه مُعدمة لهذا ليس من العدل أن نقول عليه فاشلًا وهو لم تتوفر لديه أي ظروف تدعمه للنجاح، لقد كان سعيدًا جدًا بمنحة الكنيسة ليصنع فيلمًا له، على الرغم من التعصب الشديد لأعضاء تلك الكنيسة ومبلغهم الزهيد وغبائهم الشديد، لقد كان بيرتون منحازًا له لدرجة أنه صنع هذا الفيلم عنه وأرانا وجهة نظر أخرى عن هذا الرجل.

* في الصورة تيم بيرتون مع مارجريت الرسامة الحقيقية وبرفقته كريستوف والتز وإيمي أدامز بطلا الفيلم الذي يحكي قصة حياتها والذي أخرجه تيم بيرتون

لم يخشَ تيم بيرتون من الاعتراف بحبه لرسومات مارجريت التي حصدت سخرية ونبذًا عنيفًا من النقاد والمهتمين بالفنون عمومًا، ذلك لأنها كانت ترسم الأطفال ذوي أعين واسعة، كانت لوحاتها رخيصة وتُباع بدولار أو اثنين في الأحياء الفقيرة ذات الجدران المتسخة والتي ما أن يأتي المساء حتى يعم الظلام على معظم تلك الأحياء بسبب عدم مقدرتهم على دفع فاتورة الكهرباء، كانت تباع هناك تلك اللوحات ولقد غزت معظم المنازل في ذلك الوقت حتى المنازل الأقل فقرًا وذلك نظرًا لرخصها، لقد كانت رسامة فاشلة ومنبوذة حتى بعد حصدها بعض الشهرة نظرًا لصورها المُقلدة التي ملأت أسواق التحف، ولكن تلك اللوحات التي كانت على مرمى البصر من بيرتون طوال فترة طفولته شكلت جزءًا من خياله، فصنع فيلمًا كاملًا عنها من بطولة إيمي أدامز وكريستوف والتز عام 2014، big eyes، يقول عنها تيم بيرتون «لقد تربيت في منزل مليء بالصور المُقلدة لهذه الفنانة والتي كانت تباع في السوبر ماركت وفي كل مكان بثمن رخيص، كان الجميع يحرص على تعليق اللوحات في منزله، إن لم يكن هذا نجاحًا فلا أدري ما هو النجاح».

بجانب الشخصيات التي فشلت في اقتحام الوسط الفني برسوماتها والشخصيات التي فشلت في الحب وفي التأقلم والأخرى التي فشلت في الإخراج، هناك آخرون فشلوا في الزواج أو فشلوا في تدمير الكريسماس أو فشلوا في إقناع أبنائهم بأن قصصهم كانت حقيقية، فشلوا أيضًا الأموات في طرد الأحياء من منزلهم، بجانب كل هذا نجد أن الخيال الخصب لبيرتون جعل رسوماته ذات طابع الكاريكاتير تتجسد أمام الشاشة بإخلاص، فالرجل كان رسامًا تحرك في بداية حياته ومنفذ ديكور لهذا نجد في الكثير من أفلامه دقة في الماكياج والديكور والأزياء تعكس رسومات كاريكاتيرية على الشاشة ولكنها نابضة بالحياة وحقيقية مما يجعل أفلامًا كثيرة تتمتع بسحر وغرابة في أفلامه، الماكياج الثقيل والديكور هو وسيلته للربط بين الواقع والرسم الذي يعشقه وبين خياله السوداوي وغرابة أطواره.

تيم بيرتون بالنسبة لي هو أحد أعظم الفنانين لمدرسته المختلفة والعالم الجميل الذي خلقه في السينما، الاختلاف أجمل الأشياء في هذا الكوكب وتيم بيرتون هو الإعراب الحقيقي لهذا الاختلاف الذي يخبرنا أنه لا يوجد ما يسمى بالفشل، ولا يوجد فاشلون، فهؤلاء الذين يسمونهم فاشلين في أحوال كثيرة هم أفضل من الناجحين، نحن نجحنا في أننا لم نتأقلم مع الشروط التي وضعها لنا الآخرون أو المقاييس التي اختارها لنا العالم، نحن نجحنا في أننا لم نرضخ للمجتمع وفي أننا لم نصبح نُسخًا منهم، نحن نجحنا ولا ننتظر تقديرًا على هذا النجاح بل نعرف أننا منبوذون، أيها الفاشلون؛ أنتم أعظم أشخاص في هذا الكوكب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد