استجمعت جميع قوتي، هممت بالقلم والورق الأبيض، بدأت أخط أول الكلمات، الأحداث، كذلك الشخصيات.

هي حاضرة في مخيلة أي إنسان، فقط مجموعة من التفاصيل هي التي تختلف، كتبت وتوغلت في الأحداث، حتى صرت أتحدث عن غيري؛ لأن الحروف لم تتسع لي فقط.

تخيلت النهاية أو النهايات وفكرت في طريقة المأساة وخاصة كي يكون كل واحد منا ممثل فيها، ولكن في لحظة صدق وتفكير توقفت، توقفت بسؤال جوهري، وجودي ضروري لكل بداية الأشياء، فصدمني الواقع، وعقلي وقلبي به، حين صرخ داخلي وقال:

هل نحن فعلا في زمن كتابة الروايات؟

كان دوستويفسكي أبو الرواية في القرن العشرين، ينظر للعالم من زاوية مأساته التي تجسدت في واقعه المحيط به، لم يرَ حينها اجتياح المستعمر للدول الصغيرة، لم يعاين ما فعله الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا من محو للإنسان وقتل عبثي، وهذا ما جعله يؤسس فقط لفن الرواية الوجودي.

كافكا كذلك، صاحب الطريقة الخاصة، والمنهج المتبع، والذي صار مدرسة في الرواية، تسمى الكافكاوية، التي تعبر على السوداوية والكابوسية، كان يرى العالم من عيني أبيه الذي عذبه وعامله بسوء منذ الطفولة، حتى عندما كبر وتحول من براغ للنمسا ثم ألمانيا، فقط خيباته العاطفية هي من سيطرت على كتاباته، لأن الصور لم تنقل له ربما آنذاك الثورة البلشيفية واغتيال ولي عهد النمسا وملايين الضحايا التي سقطت من أجل إعادة تقسيم العالم.

في عالمنا العربي، نجيب محفوظ رمز الرواية العربية، لم تكن له الفرص متاحة لمعرفة العالم أكثر، ربما لعدم توفر التكنولوجيا المرئية، التي قد تعبر أكثر من أي خبر، وحتى جغرافيته الصغيرة جعلته ينظر للعالم من حارته البسيطة التي على الأقل جسد فيها مأساة شعب مصر.

الرواية فن يعبر عن واقع أو مخيلة تنبني على واقع ما لتتجسد في أحداث وشخصيات شبيهة من أجل جعل القارئ يشعر بإحساس لا يلامس واقعه بل يتجاوزه شعوريا وعاطفيا، ربما هكذا أعرفها،

لكن عندما أعود إلى سؤالي الأول، لا أقدر على الإجابة، كيف نقدر على أن نكتب رواية ما في هذا العالم الذي تجرد فيه الإنسان من إنسانيته، كيف لنا نروي ونتخيل أحداثًا وشخصيات وعقولنا مليئة بالدماء والحروب والخيبات، كيف لنا أن نجسد تراجيديتنا الفردانية المليئة بخيبات الحب والعائلة والحياة في ظل واقع صار فيه الإنسان رقم ضحية أو صوت إنتخابي أو لاجئ يتسول، في ظل مشاهد لونها حمراء، وإنسان يفنى من أجل أنه إنسان!

لم أعد أقدر على التفكير ولا على حتى الكتابة عن شيء، يتجمد العقل ويتكلس القلب لما في هذا العالم من رداءة وقتل ومأساة، ربما حتى سرد الرواية صار ضرب من ضروب التهكم على واقعنا الذي أضحى الإنسان بخط في روايات وروايات بدمه ودموعه وفنائه.

فهل نحن فعلا نعيش في زمن الروايات؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد